بين الذاكرة والجمر: من سبعة أيار إلى إهانة موقع رئاسة الحكومة

أحداث ٧ أيار ٢٠٠٨ ليست مجرد فصل من تاريخ لبنان الحديث، بل لحظة فاصلة أعادت رسم خرائط القوة الداخلية، ووضعت سؤالًا مؤلمًا أمام المجتمع السني: كيف تُحوَّل مواقع النفوذ والكرامة إلى ساحات احتلال ومحاصرة؟

في أوائل مايو من ذلك العام تحوّل الفراغ السياسي إلى عنفٍ مسلح، عندما انفجرت المواجهات بعد قرارٍ حكومي استهدف شبكات اتصالات مرتبطة بحزب الله، وغزت الاشتباكات أحياء واسعة في غرب بيروت حيث سيطرت ميليشيات مرتبطة بالحزب، تاركة وراءها قتلى وجرحى وجرحًا في النسيج الوطني، أعقبه حلٌّ سياسي بوساطة خارجية (اتفاق الدوحة)، لكنه لم يُعِدْ ما تهدّم من ثقةٍ وكرامة داخل قطاعات واسعة من المجتمع السني.

سبعة أيار: الجرح النفسي والسياسي

سياسيًا، كشف الحدث أن البنية المؤسسية للدولة يمكن أن تُهزم ميدانيًا من قبل فاعلٍ مسلحٍ عندما تتشظّى السلطة، وأن الحلول السريعة التي لا تعالج أصل اللامساواة في النفوذ ستبقى هشّة.

ونفسيًا، أعاد الحدث إنتاج شعورٍ جماعي بالتفريغ والذل لدى جمهورٍ اعتاد أن يرى نفسه طرفًا محرومًا أو مستهدفًا، فتراكمت لدى أجيالٍ مشاعر كبتٍ وغضبٍ لم تجد معابرَ شرعية للتفريغ إلا عبر زعاماتٍ أو شيوخٍ أو خطابٍ إعلاميٍّ مسعور.

هذا المزيج من الإحساس بالظلم والغياب المؤسسي هو الذي يولّد لاحقًا تياراتِ ردّ فعلٍ عنيفة، أو موجات غضبٍ تُتاح لها مساحات التعبير المتفلّتة.

من ذاكرة ٢٠٠٨ إلى احتقان الحاضر، التاريخ لم يتوقّف عند ٧ أيار ٢٠٠٨.

سنوات ما بعده شهدت نزعاتٍ متجددة للتعبير عن الحنق السني في صورٍ مختلفة، من إحياء سطوح الولاءات التقليدية إلى ولادة حركات احتجاجية أكثر تطرفًا أحيانًا، كما ظهر بوضوح في موجة أحداث صيدا وظهور دعاةٍ سلفيين مسلحين، الأمر الذي كشف هشاشة السلم المحلي وحجم الاستياء الذي يمكن أن يتحوّل إلى عنفٍ عندما يقترن بخطابٍ تحريضيٍّ وظرفٍ إقليميٍّ متأزم.

تلك الحلقات كانت تذكيرًا بأن الكبت المتكرر والحرمان السياسي لا يختفي، بل يتراكم ويبحث عن منفذ.

واليوم، حين ننظر إلى موجة الفيديوهات والإهانات التي طالت رئيس الحكومة القاضي نواف سلام، لا يمكن فصلها عن هذا السياق التاريخي والنفسي.

انتخاب سلام وتوليه مهامًا وطنية حظي بدعمٍ برلماني واسع، لكنه اصطدم بسرعة بردود فعل من جهةٍ تعترض على مشروعه في وضع السلاح تحت سلطة الدولة، وردود فعلٍ شعبية إلكترونية تحوّلت إلى حملات تشويهٍ وتجبير.

إنّ الاحتفاء ببعض الحملات وطمأنة قواعد على أن الإهانة مقبولة “تعبيرًا عن الغضب” هو في جوهره إعادة إنتاجٍ لمنطقٍ سمح سابقًا بالتحوّل من خلافٍ سياسي إلى تحكّمٍ ميداني.

وفي حالاتٍ وُثّقت على أرض الواقع، تداولت مواقع وصحف محلية لقطاتٍ وفيديوهاتٍ وصورًا تُظهر تصرفاتٍ مسيئة وصلت إلى وضع صور رئيس الحكومة على الأرض أو الدعوة إلى إذلالٍ رمزي، ما أثار استنكارًا رسميًا وشعبيًا واسعًا أيضًا.

سيناريوهات مستقبل الشارع السني

فما الذي ينتظر الشارع السني إذا استمرّ هذا المنوال: إهانة رموز الدولة أو السخرية ممن يمثلون فكرة الدولة بعد سنواتٍ من الكبت والظلم المتواتر؟

لا توجد نتيجة واحدة حتمية، لكن التاريخ والعلوم السياسية والنفسية تتيح لنا قراءة سيناريوهاتٍ معقولة، منطقية ومتصاعدة بحسب استمرار الممارسات:

أولًا: الانكفاء السياسي والانسحاب من الساحة العامة.

ردّ فعلٍ أوليٌّ طبيعي هو شعورٌ بالإحباط يدفع قطاعاتٍ واسعة إلى الانسحاب من المشاركة السياسية الاعتيادية، وترك الفراغ لصوتين متطرفين: أصحاب الانفعال الإعلامي أو مَن يسوّقون لخطاب الانتقام، ومجموعات تُظهر تطلعاتٍ أكثر تطرفًا.

هذا الانكفاء يضعف حضور فاعليات الاعتدال ويمنح منطق الصخب فرصة التمدد. (استنتاج مبني على دراسات حول انعكاسات الإذلال السياسي على المشاركة المدنية).

ثانيًا: استنفار مدني محافظ ومنظَّم.

إحساس الكرامة المهدورة قد يدفع قطاعاتٍ سنية تقليدية أو نخبًا متوسطة إلى تنظيم ردودٍ مدنية أكثر نوعًا مثل تظاهراتٍ منظمة، مساراتٍ قانونية، تحركاتٍ برلمانية ومناشداتٍ دبلوماسية.

هذا المسار يُبقي المعركة ضمن قواعد اللعبة المدنية، ويتيح استعادة المبادرة السياسية المعتدلة، لكنه يتطلب قيادةً واعية ومؤسساتٍ مدنية قوية. (نماذج من ردود فعل بعد حملات تشويه سابقة أظهرت أن قدرة النخب على الإطار تُحدّد المسار).

ثالثًا: التحوّل إلى خطابٍ عدائيٍّ مدفوعٍ بالهوية.

في ظلّ غياب قيادةٍ كفوءة أو قنواتٍ شرعية للمحاسبة، قد يتغذى الاستياء على رواسب الهوية ويُعرّض الشارع لتحوّلٍ إلى خطابٍ أكثر طائفيةً وعدائية، يقلّل من فرص المصالحة ويزيد من خسائر الدولة في حكمها العام.

مع هذا الخيار ترتفع مخاطر الاستقطاب والاشتباكات المحلية أو استثمار الخارج لمعسكرات الضغط. (تجارب ٢٠٠٨ و٢٠١٣ تُظهر كيف يتلقف الاستياء عناصر أكثر تطرفًا).

رابعًا وأخيرًا: التطوّر إلى نمطٍ احتجاجيٍّ مدنيٍّ طويل الأمد يطالب بإصلاحات محددة.

في السيناريو الأفضل، يتحوّل الغضب إلى مشروعٍ إصلاحيٍّ منظم يربط مطالب المحاسبة بملفاتٍ ملموسة مثل السيادة، الاسترداد المالي، مكافحة الفساد، واستعادة سلطة مؤسسات الأمن.

هذا يحتاج إلى قادةٍ قادرين على تحويل الانتفاض العاطفي إلى جدول أعمالٍ سياسيٍّ واضح. (خبرة الحركات المدنية تؤكد أن نجاح هذا الطريق مرتبط بوجود قيادات ومدى انضباط الحراك).

تاريخيًا، الشارع السني يحمل ذاكرة مزدوجة: ذاكرة الجرح (إحساس بالظلم والعجز) وذاكرة الكرامة (استعداد قوي للدفاع عن صورة الذات السياسية).

تراكم الإهانات الرمزية والعامة مقابل الافتقار لآليات محاسبةٍ حقيقية ينتج تآكلًا في الثقة ويقوّي الميل نحو ردود فعلٍ أكثر انفعالية أو أكثر تنظيمًا بحسب ما توفره القيادة والمجتمع المدني.

من هنا تأتي أهمية عاملَي الزمن والقيادة، فكلما طال زمن الإهانة بدون ردٍّ مؤسسيٍّ منطقي، ازداد احتمال انتقال الغضب من طوره النفسي إلى طوره السياسي العملي، وقد يكون ذلك بناءً أو هدامًا.

إلى أين يجب أن يتجه العقل الوطني؟

أولًا، الاعتراف بأن المواجهة الحالية ليست مجرد سجالٍ حول شخص، بل صراع حول تعريف الدولة: هل الدولة سلطة ومؤسسات أم مجرد منصة شعاراتٍ ولحظات؟

ثانيًا، على القادة السُّنّة الاعتراف بأن مواجهة الهدر والاشمئزاز الشعبي لا تكون بالردّ بنفس لغة السخرية، بل بالتحشيد المؤسساتي، وحملاتٍ قضائيةٍ واضحة ضد الإهانات المُرتكبة (عندما تتجاوز حقّ التعبير)، ومبادراتٍ إعلاميةٍ لإعادة تأهيل الخطاب العام، وبرامج لمعالجة الغبن الاجتماعي والاقتصادي الذي يؤجّج الاستياء.

ثالثًا، على الدولة أن تُظهر قدرتها على حماية رموزها المدنية بغضّ النظر عن ميولهم السياسية، لأن استهداف الشخصية التنفيذية للبلاد ضربةٌ للدستور قبل أن تكون اعتداءً شخصيًا.

إنّ الربط بين سبعة أيار والاحتقان الحاضر ليس تشخيصًا بل إنذارًا.

الإهانة المتكررة لرموز الدولة بعد ذاكرةٍ طويلةٍ من المظالم قادرة على تحويل الغضب إلى شيءٍ آخر — أحيانًا إلى فعلٍ بنّاء، وأحيانًا إلى ردودٍ عنيفة لا تعود بالنفع على أحد.

الخيار المتاح أمام الشرائح السنية وجميع قوى الاعتدال هو تحويل هذا السيل العاطفي إلى مشروعٍ وطنيٍّ للإصلاح: مؤسساتٍ ترافع، إعلامٍ يحترم قواعد المهنة، قيادةٍ سياسيةٍ مدروسة، وشعبٍ يعرف الفرق بين إحساسه المشروع بالظلم وبين الفعل السياسي الفعّال.

أما إن استمرّ نهج الإهانة كأداةٍ سياسيةٍ رخيصة، فستتبدّل الخسارة من خسارةٍ رمزية إلى خسارةٍ فعلية في بنية الدولة والقدرة على التفاوض والتعايش.

اقرا ايضا: عن حقوق اللاجئين وحصرية السلاح الفلسطيني: حقائق يكشفها الدكتور منيمنة في منتدى «جنوبية»

السابق
مشهد أشبه بالأفلام من طرابلس: مواطن مخالف «يشحط» شرطيا بسرعة جنونية
التالي
الثامن من أكتوبر وانتصارات حزب الله