مع الذكرى الثانية “لحزب الإسناد” التي خاضها حزب الله دعما لغزة، لا تزال الساحة اللبنانية رهينة التداعيات، كما لا تزال أمام حربٍ مفتوحة لا أحد يعلم كيف يتنتهي، في وقت ذهبت كل تهديدات حزب الله ووعيده لإسرائيل في مهب الهزيمة، بعدما كانت الشعارات مجرد أوهام لم تسمن ولم تغن من ردع أو مقاومة.
فالمواجهات الدائرة على طول الحدود الجنوبية تحوّلت إلى حرب استنزاف مفتوحة، تستخدم فيها الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، وسط مخاوف من انزلاق لبنان إلى مواجهة شاملة.
ويعيش المدنيون في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت كما سائر اللبنانيين حالة من القلق والترقب وسط استعدادات دائمة لنزوح جديد في ظل غياب أي أفق للحل السياسي وازدياد الضغوط الاقتصادية والإنسانية يوماً بعد يوم، وفي ظل سياسة المماطلة والمكابرة وادعاءات الانتصار التي يعتمدها حزب الله في خطاب سئم منه اللبنانيون عامة والبيئة القريبة خاصة.
إقرأ أيضا: بالفيديو: الشيخ حسن مرعب يعلن تعرضه لـ«محاولة قتل» في صيدا
عشرة أشهر ثقيلة مرّت على قرى حوض العاصي الحدودية، محمّلة بكل أوجه القهر والمعاناة. لم تكن مجرد فترة نزوح، بل “تغريبة” قسرية عن البيوت والأرزاق، كما يصفها الأهالي الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج أرضهم وتاريخهم، ضحية تهجير قسري تبعته سلسلة من الانتهاكات التي طاولت كل ما يملكونه.
منذ لحظة التهجير الأولى، لم تتوقف المأساة. فالمنازل الواقعة داخل الشريط الحدودي تحوّلت إلى رماد بفعل الحرائق والنهب والتدمير الممنهج، لتغدو القرى مسرحًا للخراب، وسكانها عالقين بين مطرقة الفقدان وسندان الإهمال الرسمي.
يصف الأهالي واقعهم بمرارة: “دولة غائبة وكرامات مستباحة”. فالمعاناة التي بدأت بالتهجير لم تتوقف عند حدود النزوح، بل تفاقمت مع غياب أي رعاية أو التفات من الدولة اللبنانية. “نُعامل كأننا خارج حدود الوطن”، يقول أحد المهجرين لـ”النهار”، مشيرًا إلى أن مؤسسات الدولة لم تتعاطَ مع قضيتهم على أي مستوى، وكأنها قرار مقصود اتخذ على أسس حزبية وطائفية ضيقة.
هذا الشعور بالتهميش لم يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل طال أيضًا القوى الحزبية والمرجعيات السياسية التي كان يُفترض أن تتحمّل مسؤولياتها تجاه أبناء المنطقة. بدلاً من ذلك، يروي الأهالي أن محاولات المساعدة الفردية جرى كفّ يدها، وأن “مصالح صغيرة ومحسوبيات” حكمت الموقف، لتكتمل دائرة القهر والإهمال.
لكن الجانب الأكثر قسوة في هذه القصة الإنسانية هو الاستهتار بكرامات الناس وحقوقهم الأساسية. فالعائلات المهجرة تعيش في ظروف صعبة، بلا رعاية صحية، ولا دعم للمرضى والمسنين، ولا حتى اهتمام بمصير أبنائهم الذين انقطعوا عن التعليم منذ العام الماضي.
يقول أحد الأهالي بحرقة: “دُفعنا ثمن سياسات رعناء لا علاقة لنا بها، حُرمنا من بيوتنا ومن حقنا في الحياة الكريمة”.
كلمات تختصر حالة فقدان الثقة في الدولة وكل من يمثلها، في ظل غياب تام لأي مبادرة لإغاثة المنكوبين أو إعادتهم إلى قراهم.
وأمام هذا الواقع، قرر المهجرون كسر الصمت. بعد عشرة أشهر من الصبر والانتظار، أعلنوا عن خطوة تصعيدية غير مسبوقة: اعتصام وتخييم مفتوح أمام السفارة الإيرانية في بيروت.
هذه الخطوة، كما يؤكد المنظمون، ليست مجرد احتجاج رمزي، بل موقف سياسي واضح يحمّل القوى الإقليمية والمحلية — وعلى رأسها إيران و”حزب الله” — مسؤولية ما آلت إليه أوضاعهم.
إقرأ أيضا: حزب لا يعرف السباحة… لماذا يذهب إلى بحر السلاح؟
وقد وجّه الأهالي في بيانهم إصبع الاتهام مباشرة إلى مسؤول منطقة البقاع في “حزب الله” حسين النمر، مطالبين بمحاسبة كل من تهاون في حقهم أو ساهم في استباحة كراماتهم.
الاعتصام، الذي يرفع شعار “بدنا كل حقوقنا ومحاسبة المستهترين بكراماتنا”، يعبّر عن لحظة انفجار الغضب الشعبي بعد شهور من الإهمال والتجاهل. فالأهالي يؤكدون أن تحركهم ليس موجّهًا ضد جهة بعينها بقدر ما هو صرخة من أجل العدالة والكرامة، ومحاولة لإعادة قضيتهم إلى الواجهة بعد أن طُمست تحت ركام المصالح السياسية.
اليوم، يقف أبناء القرى المهجّرة على أبواب السفارات بحثًا عن صوت يسمعهم. عشرات العائلات التي كانت تعيش على ضفاف العاصي باتت تقيم في خيم مؤقتة، تحمل ذاكرة المكان وحلم العودة.
هم لا يطلبون المستحيل، بل الحد الأدنى من حقوقهم: العودة إلى بيوتهم، تعويض خسائرهم، وضمان حياة كريمة تليق بمواطني دولة يفترض أن تحميهم لا أن تتخلى عنهم.
وفي انتظار تجاوب رسمي أو دولي، يواصل المهجرون اعتصامهم المفتوح، مؤكدين أن صبرهم قد نفد، وأن مرحلة الصمت انتهت. فالتغريبة التي فُرضت عليهم لن تدوم إلى الأبد، ما دام فيهم صوت يطالب بالحق وكرامة لا تُساوم.

