ذكرى استشهاد السيد نصرالله: القائد والزعيم المقدس

منى فياض

في خطاب حزب الله وبيئته الاجتماعية، يتمثّل السيد حسن نصرالله بوصفه أكثر من قائد سياسي أو عسكري. فهو يحتل موقعاً يتجاوز هذه الأدوار التقليدية. يُعتبر السيد هنا زعيماً ومرجعاً يمثّل رمزاً جمعياً يحتل موضع القداسة.

إنه الرمز الجامع الذي تختزل فيه الجماعة معاني الهوية والانتماء، وتُسقط عليه صورة “الأب الراعي” و”المخلّص”، محمِّلينه أبعاداً عاطفية واجتماعية، فيصوِّرونه على أنه “أب الفقراء والمساكين” والشخصية التي جعلت اسم لبنان حاضراً عالمياً.

إن محاولة فرض قائدهم وزعيمهم على رمز وطني كالروشة، تتجاهل دور هذا الرمز الوطني الجامع، وتريد فرض رؤيتهم ومرجعياتهم على اللبنانيين.

هذا النمط من التقديس يعكس ما وصفه إميل دوركهايم بالعقل الجمعي.

تصبح شخصية الزعيم تجسيداً لمشاعر الجماعة وقيمها، وتُعامل كرمز مقدس يتجاوز البعد الفردي. وبذلك، يُعاد تعريف الزعامة لتكون تجسيداً للذات الجماعية أكثر منها مجرد قيادة تنظيمية.

الشهادة: الخلود الجماعي

من أبرز مكوّنات هذا العقل الجمعي مفهوم “الشهادة”، وهي أحد الأعمدة المركزية في الخطاب الجمعي. فالموت في سبيل الحزب أو الزعيم لا يُفهم كخسارة فردية، بل يُعاد تعريفه باعتباره يمنح صاحبه مكانة خاصة داخل الجماعة. الشهيد لا يغيب، بل هو حاضر بوصفه عنصراً من عناصر الخلود.

تصبح الشهادة تحقّقاً للخلود الرمزي، بما يعزّز الانتماء ويقوي التضامن ويلعب دوراً مهماً في تماسك الهوية الجماعية.

هذه المقاربة تجعل من التضحية بالنفس أمراً مقبولاً، بل مطلوباً، فهم يحلمون بيوم استشهادهم ويحددون تاريخه أحياناً. الشهادة تدخل الفرد في دائرة المقدس وتربطه بتاريخ الجماعة وأفقها المستقبلي.

هنا يتجلّى ما وصفه دوركهايم بوظيفة الطقس الديني في إعادة إنتاج الروابط الاجتماعية، إذ تُحوَّل التضحية الفردية إلى حدث جماعي يُغذّي الشعور بالتماسك ويعيد تثبيت القيم المركزية للجماعة.

تصبح شخصية الزعيم تجسيداً لمشاعر الجماعة وقيمها، وتُعامل كرمز مقدس يتجاوز البعد الفردي. وبذلك، يُعاد تعريف الزعامة لتكون تجسيداً للذات الجماعية أكثر منها مجرد قيادة تنظيمية.

الكرامة: قيمة فوق – مادية

إلى جانب الشهادة، تحتل فكرة “الكرامة” مكانة أساسية في الوعي الجمعي. إنها في هذا السياق ليست مجرد مسألة شخصية، بل قيمة عليا ترتبط بالمكانة داخل الجماعة. الكرامة هنا ليست مرتبطة بالنتائج العملية المباشرة أو بالمكاسب السياسية. تُعرَّف بمعزل عن المكاسب السياسية أو الاقتصادية المباشرة. بل تُفهم باعتبارها قيمة عليا تحافظ على مكانة الجماعة وصورتها.

وبذلك، يُعاد تفسير الخسائر والتضحيات وتُفَسَّر باعتبارها جزءاً من مسار ضروري للحفاظ على التفوق الأخلاقي والرمزي للجماعة، بغض النظر عن الظروف المادية أو السياسية.

هذا التصوّر يساهم في إدامة الاستعداد للمقاومة، ويمنح الممارسات السياسية والعسكرية بُعداً فوق-مادي.

الرموز الحسينية كبنية أنثروبولوجية

إن مرجعية المكونات المذكورة آنفاً من منظور أنثروبولوجي، والحضور القوي للرموز الحسينية في خطاب الحزب وأنصاره، تستلهم معركة كربلاء وما تجسّده من ثنائية الحق والباطل، وتُستدعى لتأطير الصراع السياسي المعاصر. هذا يتوافق مع تحليل كلود ليفي-شتراوس للرموز بوصفها بُنىً ثقافية ثابتة تُعيد المجتمعات إسقاطها على وقائع جديدة. وبهذا، يصبح الحاضر امتداداً للبنية الرمزية القديمة، حيث تُفسَّر الأحداث المعاصرة في ضوء أساطير وطقوس متوارثة.

يضيف كارل غوستاف يونغ بُعداً نفسياً عميقاً لفهم هذه الظاهرة. فالتقديس الذي يُحاط به السيد نصرالله يمكن قراءته كإسقاط لـ “أركيتايب الأب الحامي” أو “المخلّص”، فيما تمثل الشهادة امتداداً لأركيتايب “البطل الشهيد”. هذه الرموز الكامنة في اللاوعي الجمعي تُستدعى تلقائياً في اللحظات التاريخية الحرجة، وتمنح الأفراد شعوراً بالمعنى والخلود. وهو ما يضفي على الفعل السياسي–العسكري شرعية دينية وروحية، ويحوِّل الأفراد إلى ورثة لمعنى تاريخي يتجاوز حدود الزمان والمكان.

يحذّر يونغ في كتابه الحاضر والمستقبل من ذوبان الفرد في الجماعة حين تهيمن هذه الأركيتايبات، لأن ذلك يُلغي الفرد والنقد الفردي ويجعل الزعيم تجسيداً لمخزون رمزي لا يُمس.

التقديس الذي يُحاط به السيد نصرالله يمكن قراءته كإسقاط لـ “أركيتايب الأب الحامي” أو “المخلّص”، فيما تمثل الشهادة امتداداً لأركيتايب “البطل الشهيد”.

عقل جمعي مغلق

تتكامل هذه العناصر لتنتج عقلاً جمعياً متماسكاً يقوم على:

  • الزعيم باعتباره رمز الهوية الجامعة.
  • الشهادة كطريق إلى الخلود والانتماء.
  • الكرامة كقيمة تعلو على الاعتبارات الفردية.
  • المرجعية الدينية كإطار يربط الحاضر بالمقدس.

هذه المنظومة الفكرية تُعيد صياغة الأحداث باستمرار بما يخدم تعزيز الولاء وترسيخ الانتماء، وتحدّ من إمكانية طرح الأسئلة النقدية أو مراجعة الخيارات الاستراتيجية. فهي بذلك تحافظ على تماسك الجماعة، لكنها في الوقت نفسه تُبقيها ضمن دائرة مغلقة يصعب اختراقها.

إن بناء هذه البُنى النفسية–الرمزية تطلّب عقوداً من الزمن، وبالتالي فإن الخروج منها يحتاج إلى مدى أطول ومزيد من الجهد في بناء الدولة، وجعل القانون فوق الجميع.

اقرا ايضا: ازمة إضاءة «صخرة الروشة» انتهت… بولا يعقوبيان: قرار نواف سلام جريء وصائب…

السابق
لاريجاني في بيروت: محاولة إيرانية لإعادة التموضع عبر دعم مبادرة الحوار مع السعودية
التالي
قذائف بكتابات عبرية في برج حمود… وأمن الدولة يضبطها