وصل رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بيروت في زيارة حملت أبعادًا سياسية إقليمية وداخلية بالغة الدقة. فالزيارة لم تأتِ بمعزل عن التطورات التي يشهدها لبنان في ملف نزع سلاح حزب الله، ولا عن التعقيدات المتزايدة في المفاوضات بين طهران وواشنطن حول الملف النووي. وسط هذه الأجواء المشحونة، بدا واضحًا أن طهران تحاول توظيف الساحة اللبنانية لتعزيز موقعها الإقليمي، وتحصين حليفها الأساسي حزب الله في مواجهة الضغوط الدولية.
إشادة بمبادرة قاسم تجاه السعودية
من أبرز رسائل لاريجاني في بيروت إشادته العلنية بمبادرة نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، الذي دعا قبل أيام إلى فتح “صفحة جديدة” مع السعودية وتنحية الخلافات من أجل مواجهة إسرائيل. وصف لاريجاني الخطوة بأنها “صائبة تمامًا” و”في الاتجاه الصحيح”، مشددًا على أن السعودية تبقى دولة شقيقة وأن الحوار معها ضرورة في هذه المرحلة الاستثنائية. هذا الموقف يعكس بوضوح تبنّي إيران للمبادرة، وإضفاء طابع رسمي عليها بما يتجاوز كونها دعوة محلية من قيادة الحزب.
رفض نزع السلاح وتثبيت المعادلة
في موازاة إشادته بمبادرة الحوار، حرص لاريجاني على توجيه رسائل واضحة بشأن ملف السلاح، مؤكّدًا أن حزب الله لا يحتاج الى تسليح من الخارج. بهذا الخطاب، أعاد تثبيت المعادلة الإيرانية التقليدية: لا مساس بسلاح حزب الله باعتباره ركيزة أساسية في ميزان القوى الإقليمي. وقد لاقى هذا الموقف صدى متوقعًا في أوساط المقاومة، لكنه أثار في المقابل انتقادات في أوساط لبنانية معارضة تعتبر أن زيارة لاريجاني تندرج في سياق تدخل مباشر في السيادة الداخلية.
خلفيات إيرانية غير معلنة
بحسب مصادر دبلوماسية متقاطعة، فإن مبادرة قاسم لم تكن وليدة لحظة، بل جاءت نتيجة مشاورات خلف الكواليس قادتها طهران مع حلفائها. وتكشف هذه المعطيات عن قلق إيراني حقيقي من تراجع نفوذ حزب الله بعد الانتكاسات التي تعرّض لها في الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وعن إدراك بأن الانفتاح على السعودية قد يشكل صمام أمان جديدًا للحزب. من هنا، يمكن قراءة زيارة لاريجاني كبداية لترتيب الأجواء وتقديم ضمانة إيرانية بأن الحزب ليس في موقع عزلة، بل يملك دعمًا رسميًا في مسعاه نحو فتح قنوات مع الرياض.
بين واشنطن وطهران: المسرح اللبناني
لا يمكن فصل هذه التحركات عن المأزق النووي الإيراني. فالرئيس مسعود بزشكيان أكد من نيويورك أن بلاده لن تنسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الولايات المتحدة تطالب بتسليم كل المواد النووية المخصبة، وهو ما ترفضه طهران. في ظل هذا الشد والجذب، تسعى إيران إلى تعزيز أوراقها في الإقليم، ولبنان يبقى ورقة مهمة على طاولة المساومات. من هنا، قد يُقرأ دعم لاريجاني لمبادرة حزب الله–السعودية كجزء من استراتيجية مزدوجة: حماية نفوذ الحزب في الداخل، وإظهار استعداد طهران للانخراط في ترتيبات إقليمية قد تنعكس على مسار مفاوضاتها مع الغرب.
لبنان بين المبادرة والواقع
رغم أن مبادرة قاسم حازت غطاءً إيرانيًا رسميًا، يبقى مصيرها معلقًا على الموقف السعودي. فإذا تجاوبت الرياض ولو بمؤشرات محدودة، يمكن أن يُفتح باب لحوار جديد يعيد رسم بعض خطوط التماس في المنطقة. أما إذا رفضت، فقد تتحول المبادرة إلى ورقة داخلية يستخدمها الحزب لتبرير تمسكه بسلاحه وموقعه. وفي الحالتين، سيبقى لبنان عالقًا بين طموحات القوى الإقليمية وبين واقعه الداخلي المثقل بالأزمات السياسية والاقتصادية.
والخلاصة، ان زيارة علي لاريجاني خطوة محسوبة لإعادة التموضع الإيراني في لحظة إقليمية دقيقة. ولا شك ان دعم مبادرة الحوار مع السعودية يعكس إدراكًا إيرانيًا لضرورة فتح قنوات جديدة تحفظ لحزب الله هامش حركة في مواجهة الضغوط. لكن في المقابل، يسلّط ذلك الضوء على مأزق لبناني متجدد: بلد تتنازعه المبادرات الخارجية فيما يعجز عن صياغة استراتيجية سيادية صافية. يبقى السؤال مفتوحًا: هل يكون الحوار مع السعودية مخرجًا فعليًا، أم مجرد فصل جديد من لعبة الموازين التي تحكم المنطقة؟
اقرا ايضا: بالفيديو: « إصبعو كسرلك راسك».. مراسل «المنار» في كلمات نابية لرئيس الحكومة نواف سلام

