لبنان بين الغموض البنّاء واحتكار السلاح: انتصارٌ للشرعية أم هدنة جديدة؟

منى فياض

ماذا يمكن أن نسمّي ما حصل في جلسة 5 أيلول الحكومية من التفافات تمنع الانفجار والذهاب إلى اضطراب الوضع الداخلي الهش؟

إنه نوع من الغموض البنّاء، تُعتمد فيه صياغات تقبل قراءات متعارضة لتفادي الانفجار السياسي حالياً، مع ترحيل المسألة الجوهرية إلى وقت لاحقٍ بلا مهل.

لقد درجت الأطراف المتنازعة، منذ هيمنة سلاح حزب الله التام على الدولة، على ما يُعرف بآلية التورية السياسية، التي اتبعتها الحكومة في كيفية إخراجها للموقف الرسمي من الخطة التي قدّمها قائد الجيش، فاستخدمت ألفاظاً مرنة (“ترحيب” بدل “إقرار”، “لا سلاح ظاهر” بدل “لا سلاح”)، هكذا يبقى الباب موارباً.

ومؤدّى هذه الطريقة حفظ ماء الوجه، وتمكين الطرف المسلّح من العودة إلى “الوطن/الدولة” من دون اعتراف بالخسارة أو التراجع.

لقد استخدمت المهارة اللبنانية في تدوير الزوايا، التقنية المحلية لإدارة التناقضات في نظام توافقي هشّ. ومثل هذه التنازلات من الدولة الشرعية ما كانت لتحصل لولا استيلاء الطرف الممانع على حقّ النقض بالابتزاز الذي يُنتزع تحت ظلّ قوة قسرية خارج احتكار الدولة للعنف.

إنها الأداة التي مورست حتى الآن: فرض سيادة موازية/ دولة داخل الدولة. التنظيم المسلّح يترك رمزيّة السيادة للدولة ويحتفظ ببُعدها التنفيذي الأمني.

لقد درجت الأطراف المتنازعة، منذ هيمنة سلاح حزب الله التام على الدولة، على ما يُعرف بآلية التورية السياسية، التي اتبعتها الحكومة في كيفية إخراجها للموقف الرسمي من الخطة التي قدّمها قائد الجيش

تقنية ربط النزاع وحفظ ماء الوجه

كيف يشتغل هذا الأسلوب؟

يقوم بإبدال الأفعال بالكلمات، فيتم التشديد اللفظي مع إرجاء الإلزام: “منع التنقّل بالسلاح” بلا مهلة زمنية محدّدة، وهي أيضاً تقنية “ربط النزاع” التي يحبّ المحور الممانع كثيراً استخدامها، فيفصل ملف السلاح عن سائر الملفات، لتمضي المؤسسات شكلياً فيما تبقى العقدة صلبة.

وبما أنّ السلاح يمثّل “كرامة” السيد نبيه بري، و”روح” الشيخ نعيم قاسم، فكان لا بدّ من الانتباه إلى مسألة تبادل حفظ الكرامات: منح غطاء لغوي يتيح للثنائي (الحزب–أمل) عدم الظهور بموقع المتراجع، مقابل تشغيل المؤسسات.

إذن سمحت تقنية حفظ ماء الوجه للثنائي الشيعي بالانسحاب من الجلسة، ثم العودة إلى الطاولة لاحقاً وكأن شيئاً لم يكن. فلا انتصار يُسجّل ضدهم، ولا هزيمة يذوقونها، فيما تبقى الدولة في موقع المهادن.

لماذا هذا الحرص على تدوير الزوايا؟ الجواب بسيط ومعقّد في آن: لأن حزب الله يحتكر السلاح ويجعل منه سيفاً مصلتاً على رأس الجميع. لا أحد يريد مواجهة مفتوحة مع حزبٍ مسلّح قادر على تعطيل المؤسسات، والكل يفضّل اللعب على الكلام بدل الصدام المباشر.

ما جرى في الجلسة الأخيرة ليس نقاشاً حرّاً بين شركاء سياسيين متساوين تماماً، بل تمريناً على كيفية التكيّف مع ابتزاز السلاح، وفرضه كمعادلة لا يمكن تجاوزها.

خرج الحزب رابحاً على أكثر من صعيد:

يمكنه الادعاء بأنه حافظ على سلاحه حالياً بلا تنازل جوهري، مكتفياً بقبول صيغة “لا سلاح ظاهر”.

كما اشترى الوقت حتى نهاية العام على الأقل، وهو زمن كافٍ لمقولة: “يخلق الله ما لا تعلمون”.

أبقى حالياً على الحلف الداخلي مع حركة أمل متماسكاً، عبر إظهار أنّ أي تراجع يمسّ بـ”كرامة الطائفة” لا بمجرد سلاح.

سمحت تقنية حفظ ماء الوجه للثنائي الشيعي بالانسحاب من الجلسة، ثم العودة إلى الطاولة لاحقاً وكأن شيئاً لم يكن. فلا انتصار يُسجّل ضدهم، ولا هزيمة يذوقونها، فيما تبقى الدولة في موقع المهادن.

قدّم للعالم صورة منفتحة لهذا المحور: نحن نشارك في المؤسسات ونقبل بخطط الدولة، من دون أن نضع ترسانتنا على الطاولة.

بين انتصار رمزي وهدنة مؤجَّلة

هل يُعدّ هذا انتصاراً للدولة، أم هدنة جديدة؟

مع ذلك، ثمة من رأى في 5 أيلول انتصاراً للدولة. رئيس الحكومة تحدّث عن استعادة قرار الحرب والسلم، والجيش قدّم خطة بخمس مراحل، والحكومة وافقت عليها بالإجماع، حتى لو تخلّلها تهديد بالانسحاب. هذه الرمزية ليست قليلة: للمرة الأولى يُقرّ نص رسمي يربط السلاح بسلطة الدولة، ولو على الورق.

لكن الانتصار الحقيقي يُقاس بالتنفيذ لا بالكلمات. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نملك الإرادة والقدرة على تحويل “لا سلاح ظاهر” إلى “لا سلاح خارج الدولة”؟ أم أنّ ما جرى ليس أكثر من جولة في لعبة المهل المؤجَّلة، تُضاف إلى سلسلة من “ربط النزاعات” التي تجمّد الصراع ولا تحسمه؟

الأخطر من كل ذلك أنّ يُرسّخ لبنان مرة جديدة صورته كدولة فاشلة: مؤسساتها لا تملك قراراً مستقلاً، وحكومتها تجتمع تحت سقف تهديد الانسحاب، وخططها الأمنية تمرّ عبر التوافق على مفردات لا عبر فرض القانون.

كل ذلك فيما إسرائيل تخترق الفضاء اللبناني، وواشنطن تحذّر من “إنهاء المهمة” عسكرياً، والجامعة العربية تعلن أنّ لا تعايش من دون وقف العدوان. وسط هذه العواصف، ينشغل لبنان بالبحث عن صيغة لغوية ترضي الحزب ولا تحرج الدولة.

الانتصار الحقيقي يُقاس بالتنفيذ لا بالكلمات. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نملك الإرادة والقدرة على تحويل “لا سلاح ظاهر” إلى “لا سلاح خارج الدولة”؟

أخيراً، ما حصل في 5 آب و5 أيلول يستحق التوقّف عنده كمفصل سياسي: إنه ليس انتصاراً على حزب الله، بل انتصاراً صغيراً للشرعية على شبح التعطيل، ولو بالحدّ الأدنى. لكنه أيضاً دليل على أنّ السلاح غير الشرعي لا يزال يحكم إيقاع الدولة ويقيّدها.

إن كان في الأمر درس واحد فهو الآتي: لا بناء لدولة فعلية من دون مواجهة حقيقة السلاح، لا بمصطلحات ملتبسة ولا بمهل مؤجَّلة. لبنان يحتاج إلى وضوح، لا إلى غموض بنّاء؛ إلى شجاعة في إعمال العقل والحكمة، لا إلى تورية تخفي العجز. وكل تأجيل جديد لا يُنتج إلا مزيداً من الفوضى، ومزيداً من تثبيت السلاح كقدرٍ دائم على اللبنانيين.

اقرأ أيضا: قرار الحكومة بشأن خطة الجيش: انتصار للحكومة أم للثنائي الشيعي؟

السابق
خامنئي يحذّر من «مخاطر محتملة» ويدعو الحكومة لتخزين «المواد الأساسية»..
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الإثنين في 8 أيلول 2025