سلاح حزب الله: عبء على لبنان وقيود في معاصم شيعته

حارث سليمان

لبنان يئن تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والعبثية السياسية، وتتجدد الحاجة فيه إلى مقاربة جذرية، لإعادة بناء الدولة؛ سيادة وتعافٍ اقتصادي وعدالة ناجزة، وتتبدى معضلة سلاح “حزب الله” كعقبة كَأداء بوجه مسار استعادة الدولة وإنجاز التغيير، فالسلاح هذا بات يشكل عبئًا لا على الدولة اللبنانية فحسب، بل على الطائفة الشيعية نفسها، التي زيّفت إيران خياراتها، وجرّها الحزب إلى صراعات لا شأن لها بها، تحت ذريعة “الممانعة ووحدة الساحات وإسناد غزة المنكوبة”.

ورغم صدور مواقف من داخل أجواء الحزب توحي باستعداد نظري لنقاش مستقبل السلاح، فإن بعض من ينطق باسم الحزب يؤكد أنه لا رغبة فعلية بالتخلي عنه، ولا استعداد للاندماج في مشروع الدولة. ولا يرد في الإعلام إلا تصريحات ظرفية دون معنى مختلف؛ فقد صرّح الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، بأن الحزب يؤيد حصرية السلاح بيد الدولة، “لكن بشرط أن تكون الدولة قادرة على الدفاع عن لبنان ضد إسرائيل”. مطلب مرتجى ومقبول، لو طلب الشيخ نعيم من إيران ما يطلبه من لبنان، لكن هل تأكد الشيخ نعيم من دولة إيران، والتي يعود لها في كل صغيرة وكبيرة، أنها قادرة على الدفاع عن نفسها في وجه إسرائيل!؟ يضيف الشيخ نعيم في مناسبة أخرى: “لن نسلّم سلاحنا لإسرائيل”، على الرغم من أن لا أحد طلب منه ذلك، وكل ما طُلب منه هو تسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني!!

الذرائع المتجددة: السلاح ضرورة لمواجهة الجميع

لا توفر أبواق الحزب وأقلامه وإعلامه مناسبة أو حدثًا، لبنانيًا كان أو سوريًا أو إقليميًا، إلا وتبنّته كمعطى ذرائعي لتبرير استمرار السلاح وتجديد وظائفه؛ فسلاح الحزب ضروري لحماية شيعة ولاية الفقيه من كل أعدائهم؛ من إسرائيل، وسورية الشرع، ومؤامرات الغرب وأميركا، ومن دول الخليج العربي، والتكفيريين السنة بمختلف تنويعاتهم. ثم السلاح ضروري لمواجهة الطوائف اللبنانية الأخرى التي تنازعهم على كعكة الدولة ومنافعها. لذلك، قال محمود قماطي، القيادي في الحزب، إن الحزب “مستعد للنقاش حول استراتيجية دفاعية تنتهي بتسليم السلاح للدولة”، لكنه ربط ذلك بـ”تحقق السيادة الكاملة”، وهو ما يعني تأجيل كل نقاش جدي إلى أجل غير مسمى.

رغم صدور مواقف من داخل أجواء الحزب توحي باستعداد نظري لنقاش مستقبل السلاح، فإن بعض من ينطق باسم الحزب يؤكد أنه لا رغبة فعلية بالتخلي عنه، ولا استعداد للاندماج في مشروع الدولة

أما الإعلامي قاسم قصير، فكان أكثر وضوحًا حين قال إن الحزب “يدرك أن استمرار السلاح إلى الأبد غير ممكن”، لكنه لم يوضح إذا كان هذا الأبد قبل ظهور المهدي أم مع ظهوره، داعيًا إلى إدماجه ضمن استراتيجية وطنية جامعة، وهو الآخر، لم يخرج من عباءة التنظير دون أي مقترح عملي.

الجنوب يدفع الثمن: المقاومة بلا مشروع سياسي

في الجنوب والبقاع الشمالي اللبناني، تستمر إسرائيل في قصف القرى والبلدات وتدمير البنية التحتية، بحجة ضرب مواقع لحزب الله. وفيما تُغتال عناصر الحزب وتُدمر منازل المدنيين، وتبقى الدولة اللبنانية متفرجة، عاجزة بشكل واضح، فإلى متى تستمر هذه المعادلة الكارثية؟ إسرائيل تستفيد من الاستنزاف المتواصل لحزب الله، ومن إبقاء الجنوب اللبناني منطقة منكوبة، خالية من الأمن والاستقرار والاستثمار والازدهار، والحزب بدوره يستثمر في بقاء حالة المواجهة الموهومة كذريعة للاحتفاظ بالسلاح، وللمحافظة على ورقة واهنة تبقي على ارتباطه بالمحور الإيراني. أما الخاسر الأكبر، فهم أبناء الطائفة الشيعية، وخاصة أهالي الجنوب، الذين يُدفعون ثمنًا باهظًا لحروب لا يملكون قرارها، ولا تعود عليهم سوى بالخراب.

الجنوب اليوم بلا تمويل لإعادة الإعمار، وبلا خطة طوارئ، وبلا رعاية رسمية. وإذا كان حزب الله يدعي دفاعًا عن الأرض والناس، فهل من مقاومة تُبقي شعبها تحت القصف، بلا حماية، ودون أفق سياسي؟ من يخدم الانتظار؟ وهل يراهن حزب الله على متغيرات خارجية: من نتائج الانتخابات الأميركية، إلى التسويات الإيرانية – الخليجية، إلى مستقبل الصراع في غزة!؟ فيما إسرائيل تواصل استنزاف لبنان، ببطء وفاعلية، دون الانجرار إلى حرب شاملة، وطبقًا لهذه المعادلة، تخرج إسرائيل رابحة: تُضعف الحزب دون خسائر، وتُبقي لبنان رهينة. أما إيران فتستفيد من إبقاء الورقة اللبنانية حيّة. فيما تبقى الطائفة الشيعية، محاصرة داخل سردية الحزب، دون أن يُسمح لها بالتعبير عن خياراتها الوطنية المستقلة.

لقد فقدت مقاومة حزب الله قضيتها وتفوقها الأخلاقي يوم اجتاحت عاصمة وطنها بيروت، في ٧ أيار ٢٠٠٨، وفقد حزب الله معناه يوم ساند استبداد نظام الأسد وشاركه بارتكاباته الشائنة منذ سنة ٢٠١٢، وفقد حزب الله كنه وجوده، بعد أن حطمت إسرائيل هيكليته ومخازنه وقياداته، في خريف سنة ٢٠٢٤، والحقيقة التي يعرفها قادة حزب الله وعقلاؤه أن سلاحه اليوم لا يشكل لا تهديدًا ولا رادعًا لإسرائيل، ولا حماية للبنان، لذلك آن الأوان لأن يُقال بوضوح: التسويف في ملف السلاح، والمماطلة بحجة الظروف، هو خدمة لإسرائيل، وتفريط بمصلحة لبنان، وإضرار بمصلحة الطائفة الشيعية، التي تستحق أن تكون شريكًا في الدولة، لا مجرد ورقة تفاوض في يد حزب يحتكم إلى طهران قبل بيروت.

لم يعد مقبولًا اختزال طائفة عريقة بثنائية حزبية تدافع عن استمرار رواتبها وتحافظ على مكاسبها ومنافعها وهيمنتها، وتمنع عنها الانخراط في مشروع الدولة.

الطائفة الشيعية في لبنان كانت، ولا تزال، جزءًا أصيلًا من الكيان الوطني، وقدمت للبنان رجالات وقامات انحازت إلى موجبات العيش المشترك، وبناء الدولة، والدفاع عن لبنان.

الجنوب اليوم بلا تمويل لإعادة الإعمار، وبلا خطة طوارئ، وبلا رعاية رسمية. وإذا كان حزب الله يدعي دفاعًا عن الأرض والناس، فهل من مقاومة تُبقي شعبها تحت القصف، بلا حماية، ودون أفق سياسي؟

إن مستقبل الطائفة الشيعية لا يُبنى في الملاجئ، ولا في الأنفاق، ولا على أنقاض القرى، ولا ضمن محاور الخارج الإقليمي، بل في مؤسسات الدولة، وضمن حماية القانون، وبشراكة مع كل الطوائف اللبنانية.

الدولة اللبنانية ليست بلا خيارات. والخروج من الأزمة يبدأ من التمييز والتفريق بين الطائفة الشيعية و”حزب الله”. فالأولى جزء من نسيج الوطن، والثاني تنظيم مسلح مرتبط بإيران، يتصرف كدولة داخل الدولة.

الدولة اللبنانية لا تُبنى بالسلاح غير الشرعي، ولا بالمقاومة الدائمة، بل باحتضان كل الطوائف تحت سقف القانون.

والخطوة الأولى نحو هذا الهدف، تبدأ بكلمة حق: نرفض أي سلاح خارج سلاح الدولة، بما في ذلك سلاح حزب الله، ونحتضن أبناء الطائفة الشيعية، وندعوهم إلى الانضمام إلى مشروع الدولة على قاعدة الامتحان والكفاءة والخبرة والاستقلالية، وليس على قاعدة الزبائنية والمحسوبية والولاءات.

اقرا ايضا: غبار الوساطات يتلاشى… ولبنان على تخوم العاصفة الإقليمية

السابق
دوحة عرمون: بين الاكتظاظ والانهيار.. بنية متعبة وسكان مهمشون
التالي
بعد رفض أي نقاش حول نزع السلاح..لبنان يتبلّغ رفضا دوليا لعرض برّي