بين دولة عاجزة، ووساطة دولية تحتضر، وتصلّب “حزب الله”، تبدو احتمالات الانفجار أكثر واقعية من احتمالات التسوية. الجنوب ينتظر، فيما لبنان كلّه يقف على حافة المجهول.
سلام في عين التينة… وباريس ترفع سقف التحذير
في مشهد سياسي ودبلوماسي معقّد، تتقاطع التطورات اللبنانية مع اشتداد التوترات الإقليمية والدولية، بينما تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن التقاط زمام المبادرة. رئيس الحكومة نواف سلام زار رئيس مجلس النواب نبيه بري، ووضعه في أجواء لقائه الأخير بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، وسط تأكيد فرنسي على دعم الاستقرار وتجديد مهمة قوات اليونيفيل. إلا أن الغبار الكثيف الذي أثارته زيارة سلام إلى باريس لم يبدّد الشكوك العميقة التي تتسلل من قلب المشهد الأمني والسياسي في الجنوب اللبناني.
وقالت صحيفة “نداء الوطن” ان لمبعوث الأميركي توم براك، الذي يبدو أنه أنهى عملياً مهمته في بيروت، أبلغ باريس بفشل الدولة اللبنانية في إحراز أي تقدم في ملف نزع سلاح “حزب الله”، بينما عبّر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عن قلقه من عودة إسرائيل إلى سياسة القضم العسكري، محذّراً من انفجار مقبل إذا لم تُقدّم خطوات ملموسة في هذا الملف. بارو الذي التقى نظيره السعودي فيصل بن فرحان في باريس، سمع منه كلاماً قاطعاً بأن لا دعم للبنان إذا لم تتسلّم الدولة زمام الأمن بالكامل، في رسالة صارمة إلى من يعنيهم الأمر.
نزع السلاح بين مراوغة الحزب وانكفاء الوسيط الأميركي
الهوة بين موقف الدولة وموقف “الحزب” تتسع أكثر. فرئيس الجمهورية جوزاف عون تحدّث عن اتصالات يجريها بنفسه مع “الحزب” بشأن السلاح، ملمّحاً إلى بعض التقدم “البطيء”. لكن في المقابل، سارع الحزب عبر محمود قماطي إلى التأكيد على أن “السلاح غير قابل للنقاش”، متمسكاً بشعار “المقاومة” كغطاء شرعي وحيد لحمل السلاح. وهذا التناقض في المواقف دفع مصادر رسمية إلى وصف الصورة بأنها “قاتمة وضبابية”، خصوصاً في ظل تصلّب إسرائيلي وغياب أي مؤشرات عن انفراج قريب.
مصادر دبلوماسية ألمحت إلى أن براك لن يعود إلى بيروت، بعدما فشلت وساطته وانكشفت الذرائع، ومنها مطلب “الضمانات” الذي اعتبرته واشنطن محاولة جديدة من الحزب لتمييع مطلب نزع السلاح. وبحسب هذه المصادر، فإن واشنطن ربما بدأت “تنفض يدها” من الوساطة، تاركة الساحة لحسابات إسرائيل وحدها، ما يفتح الباب أمام تصعيد محتمل في الجنوب، ربما قبل أيلول.
وفي السياق، نقلت تقارير عن سعي أميركي وفرنسي لتعديل مهمة “اليونيفيل” كي تعمل بحرية تامة دون تنسيق مع الجيش اللبناني، بما يشمل مداهمة مخازن وضبط أسلحة. وهو تعديل يرى فيه “حزب الله” استهدافاً مباشراً، ما ينذر بصدامات جديدة على الأرض.
تصعيد ميداني في الجنوب… وغبار المواجهة يقترب
ميدانيًا، عاد التوتر ليخيّم على الجنوب مع غارة إسرائيلية بطائرة مسيّرة استهدفت سيارة في الطويري – صريفا، أدّت إلى مقتل مواطن، فيما أُصيب آخرون في برعشيت والضهيرة. كما أعلن الجيش الإسرائيلي اغتيال مسؤول في “حزب الله” في بنت جبيل، علي محمد حسن قوصان، في إشارة إلى استمرار سياسة الاغتيالات الدقيقة.
على خطّ آخر، وفي تطوّر رمزي لافت، عاد الناشط اللبناني جورج إبراهيم عبد الله إلى بيروت، بعد أكثر من أربعين عامًا قضاها في السجون الفرنسية بتهمة التواطؤ في اغتيال دبلوماسيين أميركي وإسرائيلي، وسط انقسام في الأوساط السياسية حول رمزية هذا الحدث وتوقيته.
اقرأ أيضا: شرق أوسط على فوهة الانفجار: فشل المبادرات السلمية من لبنان وغزة الى سوريا وإيران

