لا شك أن الطبقة السياسية اللبنانية، والتي تُمسك بكل مفاصل الدولة قديمها وجديدها، لا يمكن أن تقوم بإنتاج قانون انتخابي يصدر عنه نتائج لغير صالحها. فكل القوانين الانتخابية التي صدرت بعد اتفاق الطائف مناقضة للاتفاق المذكور، وتشكل تعارضًا مع نص وروح الاتفاق، وهي في أكثريتها تمثل المحافظة على مصالح الطبقة السياسية وإعادة إنتاج نفسها، بما يُشكل الحفاظ على ذات الكتل لتسيير المصالح التي تخدم الطبقة السياسية في السيطرة على الحكم، ومنع دخول نواب جدد قد يكونون مقدمة لزعزعة سيطرتها على البلاد وتقاسم النفوذ والحصص.
من هنا لا يمكن للمجلس النيابي الحالي، كما كل المجالس السابقة، أن يسعى لإنتاج قانون انتخابي جيد قد يُساهم في تغيير نفوذ القيمين عليه، والسماح بدخول نواب جدد قد يطيحون بالتوازن المرسوم منذ أربعة عقود على التوالي. أي لا يمكن لهذا المجلس أن يقر قانونًا انتخابيًا يراعي عدالة التمثيل النيابي، ويكون بمثابة بوابة يستطيع من خلالها دخول قوى وفعاليات نيابية جديدة، قد تكون أحد أسباب الإطاحة بالستاتيكو الحالي الذي أعطى الطبقة السياسية الديمومة والاستمرارية على مدى العقود الأربعة، والتي شارفت على الانتهاء، في ظل رئاسة الرئيس الأوحد للبرلمان اللبناني منذ العام 1993 ولغاية اليوم.
كل ما يُثار من عواصف تعديل أو تغيير قانون الانتخاب الحالي، ليست أكثر من زوبعة في فنجان، ستنتهي بإعادة اتفاق بين مكونات الطبقة السياسية الحاكمة، مع بعض التعديلات الطفيفة
استحقاق التغيير بيد المجتمع المدني
لذا، من الضروري والواجب على قوى المجتمع المدني والسياسي الذي يقع خارج اصطفافات المنظومة السياسية الحالية، والذي يهدف جديًا إلى النهوض بلبنان وتحقيق ما يُسمى عدالة اجتماعية، أن يسعى إلى مراعاة التمثيل الحقيقي لقوى المجتمع، والتخلص من حصرية واحتكار قوى سياسية بعينها لتمثيل الطوائف والعائلات الروحية اللبنانية كما المناطق. والتخلص من حصرية التمثيل المذهبي، وفتح الأبواب لكل القوى الحية والمعترضة في كل مكونات لبنان، في أن يكون لها الحق في الوصول إلى الندوة البرلمانية، لعل في ذلك دفعًا لتجديد الحياة السياسية. وبالتالي، يكون الباب مفتوحًا لدخول قوى سياسية جديدة، ترفد القوى والأحزاب السياسية بدم جديد وروح جديدة، لعلها تُساهم في تجديد الحياة السياسية الحالية، والخروج بها من الرتابة والتقوقع الذي تعيشه. وفي ذلك قد يكون فتح آفاق جديدة للعمل السياسي في لبنان، وتجديد الفكر السياسي المسيطر على الحياة السياسية منذ ما بعد اتفاق الطائف ولتاريخه.
لذا، كل ما يُثار من عواصف تعديل أو تغيير قانون الانتخاب الحالي، ليست أكثر من زوبعة في فنجان، ستنتهي بإعادة اتفاق بين مكونات الطبقة السياسية الحاكمة، مع بعض التعديلات الطفيفة التي نتجت عن الحرب الأخيرة، وقد لا تكون ذات قيمة.
وبالتالي، ما نراه من اشتباك كلامي في اجتماعات اللجان، وعدم طرح مشاريع القوانين على النقاش، هو فقط لزوم اللعبة السياسية القذرة التي تُمارسها أحزاب القوى السياسية التي تتحكم بمفاصل الدولة وإداراتها وتحتكر الحياة السياسية، وهي بذلك تُحافظ على ديمومة وجودها في السلطة، وتقاسم الأدوار بين قواها وكتلها، وذر الرماد في عيون الآخرين فقط لإلهائهم بمعارك جانبية. وفي نهاية المطاف، تكون قد شارفت المهل على نهايتها، فيكون قرار المنظومة هو التجديد لنفسها، أو إقرار ما يؤكد هيمنتها واحتكارها للتمثيل، وبقاء القديم على قدمه.
من هنا، إذا لم تتحد القوى الحية في المجتمع، لن يتغير شيء، وتبقى الأمور على ذات المنوال، ويبقى نبيه بري على رأس المنظومة الحاكمة، التي أنتجت على مدار العقود الأربعة، والتي شارفت على الانتهاء، كل مشاريع النهب للمال العام ومقدرات الدولة، واستمرار الفساد الذي نخر ولا يزال ينخر في الإدارة العامة وكل مفاصل الحياة العامة في لبنان. وهذا ما لم تستطع قوى الأمر الواقع خلال الحرب الأهلية البغيضة أن تقوم به وتنفذه.
اقرأ أيضا: تصفية «القرض الحسن».. بين حماية المودعين ومخاطر التمويل غير المشروع

