تصفية «القرض الحسن».. بين حماية المودعين ومخاطر التمويل غير المشروع

محاسن مرسل

في لحظة مالية شديدة الحساسية، أصدر مصرف لبنان تعميمًا يضع “جمعية القرض الحسن” وجهًا لوجه مع الإجراءات الدولية الهادفة إلى تضييق الخناق على مصادر تمويل المجموعات المصنفة إرهابية. لكن خلف هذا القرار التقني، تتكشّف أسئلة أعمق تتعلق بضعف الرقابة، وتراكم الإهمال التشريعي، واستمرار الانهيار المالي في بلد يصارع للحفاظ على موقعه ضمن النظام المالي العالمي. في هذا السياق، فالقرض الحسن ليس سوى رأس جبل الجليد، في ملف واسع يطال الجمعيات غير الربحية، والهيكل المالي المنهار، وغياب الإرادة السياسية.

إجراء احترازي مالي جديد!

فقد أصدر مصرف لبنان التعميم رقم 170، الذي يتضمن مجموعة من التدابير الاحترازية الهادفة إلى حماية القطاع المالي والاقتصادي من التعامل مع جهات غير مرخصة وتخضع لعقوبات دولية. ووفقًا للتعميم، يُمنع على جميع المصارف والمؤسسات المالية اللبنانية، بما في ذلك مؤسسات الوساطة وهيئات الاستثمار الجماعي، إجراء أي تعاملات مالية أو تجارية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مع كيانات غير مرخصة.

وشمل الحظر كيانات محددة مثل “جمعية القرض الحسن”، و”شركة تسهيلات ش.م.م”، و”شركة اليسر للتمويل والاستثمار”، و”بيت المال للمسلمين”، بالإضافة إلى أي جهة مدرجة على قوائم العقوبات الدولية. وينص القرار على منع تقديم أو تسهيل أي خدمات مالية أو نقدية أو تحويلات أو خدمات وساطة لهذه الجهات، فضلاً عن حظر أي ترتيبات تمويلية أو ائتمانية معها، وكذلك منع وصولها إلى النظام المصرفي اللبناني بأي عملة كانت.

وحذر مصرف لبنان من أن أي مخالفة لهذا التعميم قد تؤدي إلى اتخاذ إجراءات قانونية صارمة، تشمل تعليق أو سحب التراخيص، تجميد الحسابات والأصول، والإحالة إلى الجهات القضائية المختصة. وأكّد المصرف المركزي في ختام التعميم التزامه باتخاذ كافة الإجراءات الإدارية والقانونية لضمان تنفيذ القرار الذي بدأ سريانه فور صدوره.

التعاميم التزام دولي لا خيار وطني!

وفي حديثها لموقع “جنوبية”، أوضحت الصحافية الاقتصادية والباحثة في الجرائم المالية والاقتصادية، محاسن مرسل، أن العقوبات المفروضة على جمعية “القرض الحسن” ليست جديدة، إذ سبق أن فُرضت عليها عقوبات في عامي 2007 و2021، إلى جانب شخصيات مرتبطة بتمويلها. تأتي هذه العقوبات في إطار ما يُعرف بتضييق الخناق على تمويل المجموعات المسلحة، حيث تُعتبر الجمعية الوارد اسمها في اللوائح إحدى الأذرع المالية لتلك للمجموعات المسلحة. وأكدت مرسل أن مصرف لبنان، ومن منطلق الحرص على موقع لبنان ضمن النظام المالي العالمي، ملزم بإصدار تعاميم مماثلة تماشيًا مع القرارات الدولية، تفاديًا لأي تداعيات قد تنجم عن عدم الامتثال.

حذر مصرف لبنان من أن أي مخالفة لهذا التعميم قد تؤدي إلى اتخاذ إجراءات قانونية صارمة، تشمل تعليق أو سحب التراخيص، تجميد الحسابات والأصول، والإحالة إلى الجهات القضائية المختصة.

وأوضحت مرسل أن جميع الجمعيات التي أُدرجت على “قائمة الأشخاص المصنفين خصيصًا والمحجوبة أصولهم SDN والصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC التابع لوزارة الخزانة الأميركية، يخضع التعامل معها تلقائيًا لحظر مالي وقانوني”. وأضافت أن مصرف لبنان، وانسجامًا مع هذه القرارات، يُصدر تعاميم تُحظر التعامل مع الكيانات المُدرجة على هذه اللائحة. فلبنان اليوم مُلزم بتطبيق قرارات OFAC بهدف حماية المصارف اللبنانية من التعرض لأي عقوبات محتملة في حال مخالفة هذه القيود، مشيرة إلى أن هذه الخطوة “جاءت متأخرة”. ولفتت إلى أن هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان هي الجهة المسؤولة عن تلقي الإشعارات من OFAC وتقوم بإبلاغ المصرف بها بشكل دوري، في سياق الإجراءات الروتينية الهادفة إلى منع أي اختراق للنظام المالي اللبناني.

لبنان على اللائحة الرمادية وخشية للغرق أكثر!

وتشير مرسل إلى أن لبنان مُدرج على “اللائحة الرمادية”، ما يعني أنه يُصنَّف كدولة تعاني من قصور في تطبيق الإجراءات المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وترى أن بقاء المنظمات والكيانات والأفراد الخاضعين للعقوبات فاعلين داخل النظام المالي اللبناني “لم يعد ترفًا”، بل يشكّل خطرًا يُحتّم على الدولة التحرّك الجدي للحفاظ على موقع لبنان ضمن النظام المالي العالمي. وفي هذا السياق، تدعو مرسل إلى “إيجاد مخرج يتمثل في تصفية جمعية القرض الحسن”، لكنها تشدد على “ضرورة حماية حقوق المودعين قبل أي خطوة”، معتبرة أن القضية تتجاوز القرض الحسن لتشمل ملفًا أوسع يرتبط بعمل الجمعيات غير الربحية في لبنان، التي تنشط بكثافة في ظل غياب الرقابة والمساءلة.

فالمسألة هنا باتت خاضعة للتصنيف الدولي الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية والاتحاد الأوروبي، والذي يُدرج بعض الجمعيات على لوائح الإرهاب. لذا، فإن مسؤولية الدولة تقتضي اتخاذ خطوات جدّية لحماية حقوق المودعين، سواء في القرض الحسن أو في أي جمعية أخرى مصنفة ضمن تلك اللوائح. وتحذّر مرسل من أن تصفية “القرض الحسن”، إن جرت دون رؤية شاملة، قد تؤدي إلى ظهور جمعيات جديدة لا تُعرف مصادر تمويلها ولا طبيعة أنشطتها، ما يفاقم الأزمة بدل أن يحلّها. وتدعو إلى التعاطي مع الملف ككلّ، بمنهجية تتضمن تنظيم القطاع، وتفعيل الرقابة، وضمان الشفافية.

جمعيات خارج الرقابة… وداخل شبكات التبييض!

وتلفت مرسل إلى أن بعض الجمعيات غير الربحية في لبنان تُعد “من أكثر الجهات التي يُمارس عبرها تبييض الأموال”. هذه الجمعيات تعمل بموجب ترخيص يستند إلى قانون قديم يعود إلى عام 1909، وهو قانون لم يعد يواكب التحديات المالية والرقابية الحالية. وتؤكد أن هذه الجمعيات لا تخضع لأي رقابة فعلية، ما يفتح الباب واسعًا أمام التجاوزات. وتشدد على ضرورة “تفعيل الرقابة الجدية وطرح الأسئلة الأساسية: من هو صاحب الحق الاقتصادي في هذه الجمعيات؟ من المستفيد الفعلي منها؟ وما هو مصدر تمويلها؟”، داعية إلى التحقق من حالات التهرب الضريبي التي قد تُمارس تحت غطاء العمل الخيري أو التنموي.

لا نيّة فعلية لاستعادة أموال المودعين!

بالعودة إلى عام 2019، تاريخ اندلاع الأزمة المالية في لبنان، تقول “مرسل” ان اللبنانيين فقدوا ثقتهم بالقطاع المصرفي، في ظل غياب أي خطوات جدية من الدولة لمعالجة الأزمة. واكتفت السلطة في لبنان بالشعارات، بينما استمرت الفجوة المالية في الاتساع، نتيجة عدم تحميل أي جهة مسؤولية واضحة، وعدم اتخاذ إجراءات عملية لإعادة أموال المودعين. وتلفت مرسل إلى أن النائب فريد البستاني كان قد تقدّم بمشروع قانون لحماية الودائع بالعملات الأجنبية في المصارف اللبنانية العامة، بهدف إعادة الانتظام إلى عمل القطاعين المالي والمصرفي، وحظي مشروع القانون على موافقة المؤسسات المالية والدول التي اطلعت عليه، إلا أنها تأسف لغياب الإرادة السياسية الجدية للمضي في تطبيق هذا القانون أو غيره من الخطوات الإصلاحية.

أن بعض الجمعيات غير الربحية في لبنان تُعد “من أكثر الجهات التي يُمارس عبرها تبييض الأموال”. هذه الجمعيات تعمل بموجب ترخيص يستند إلى قانون قديم يعود إلى عام 1909

وتختم الخبيرة المالية محاسن مرسل بقولها، إن استمرار لبنان في حالة “السبات الطويل” وغيابه عن اتخاذ خطوات عملية وملموسة، قد يعرّضه للانتقال من “اللائحة الرمادية” إلى “اللائحة السوداء”، ما يعني عزلة مالية أعمق وتضييقًا أشد على نظامه المصرفي والاقتصادي. فالإجراءات المطلوبة من الدولة اللبنانية كثيرة ومتنوّعة، ولا تقتصر على قطاع واحد، بل تشمل “التشريعات المرتبطة بمكافحة تبييض الأموال، وتنظيم العائدات الجمركية، وتعاملات كتاب العدل، وحتى ملف الذهب وسواه”، ما يستدعي مقاربة شاملة وسريعة قبل فوات الأوان.

اقرا ايضا: برّاك يُثني على قرار حظر «القرض الحسن»

السابق
عرسال: أرض حدودية منسية تحت رماد الإهمال
التالي
أوجلان ينتصر على سلاحه بالديموقراطية… ماذا عن حزب الله؟