الحروب الاهلية اللبنانية المسلحة.. ما أشبه اليوم بالأمس!
وفيق الهواري.
اليوم السبت ١٣ نيسان/أبريل ٢٠٢٤، ذكرى مرور ٤٩ عاما على بدء الحروب الاهلية المسلحة، التي تؤرخ بحادثة بوسطة عين الرمانة، والتي يمكن وصفها بالشعرة التي قصمت ظهر البعير.
لكن كثير من اللبنانيين، يرى ان هذه الحروب بدأت قبل هذا التاريخ الذي اعتمد في الكتابات.
ان ما يمر به لبنان حاليا، يذكر من عايش تلك الحروب الاهلية المسلحة بأنها مقبلة مجددا،٠ اذا توفر لها العامل الخارجي الحاسم في إشعال اي حرب أهلية جديدة.
مؤسسات الدولة تتحلل، والشعوب اللبنانية الى مزيد من التقوقع والانعزال، والوضع يتجه غلى مزيد من الفوضى الأمنية، وكل طرف طائفي اساسي يعمل جاهدا، ليكون على رأس نظام المحاصصة الطائفية.
اتفاق الطائف أوقف الحرب المسلحة، لكنه لم يقدم حلا للكيان اللبناني، يفسح في المجال لبناء دولة ديمقراطية، بل توصل الى اتفاق محاصصة جديد، ابعد احد اطراف المحاصصة عن رأس النظام في محاولة لبناء نظام ترويكا، ما لبث ان تحول إلى ساحة نزاع جديد، تعكس موازين قوى طائفية جديدة.
بعد مرور قرن على انشاء الكيان، بات واضحا انه يسير الى مزيد من التضعضع ومؤسساته تتجه الى تحلل، والقوي الباقي هو النظام الطائفي، الذي يبحث اربابه عن صيغة جديدة تعكس موازين قواه الحالية.
بعد مرور قرن على انشاء الكيان بات واضحا انه يسير الى مزيد من التضعضع ومؤسساته تتجه الى تحلل
بعد عام ١٩٧٦، بدأ النقاش حول الحرب المسلحة، اذا كانت ممرا اجباريا ام كان بالامكان تجنبها. وما زال النقاش مستمرا حول هذه المسألة، وحول ان كان العامل الداخلي المتمثل بالانقسامات اللبنانية، كافية لاشعال حرب مسلحة، ام انها بحاجة الى عامل خارجي له أهداف يسعى اليها من خلال حرب قد تندلع.

ان الاتفاق على العامل الحاسم الذي يدفع “الشعوب” اللبنانية للجوء الى السلاح، يلعب دورا في منع تكرارها.
لم يكن تأسيس الكيان اللبناني، نتيجة حركة شعبية ناشطة، تريد الاستقلال عن سلطنة عثمانية تناثرت أراضيها، بل كانت عملية التأسيس نتيجة تقاسم الميراث العثماني في المنطقة بين بريطانيا وفرنسا، والحاق اربعة اقضية بمركز جبل لبنان، الذي يتمتع بخصوصية تكوينه بين الدروز والموارنة، وقد أضيفت اليهما مجموعات ومكونات مختلفة، وتحول الكيان الجديد الى مساحة، تضم مجموعات لكل منها تاريخها وعاداتها وتقاليدها واساطيرها، ونظرتها الى الاخرين.
ولكل مجموعة مرجعيتها السياسية، وتتصرف بصفتها تضم رعايا لزعيم مناطقي او طائفي، وليس كمواطنين لهم ذات الحقوق وعليهم ذات الواجبات.

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، جرت محاولات لبناء حركة شعبية تسعى الى التغيير، لكن قيادة هذه الحركة الشعبية، نظرت الى الشعوب اللبنانية وكأنها بنية مجتمع متكامل الإنجاز، وان الانقسامات في داخله هي افقية تعبر عن مصالح طبقية واضحة، وأن الطائفية ليست الا مرض، يمكن معالجته وصولا الى التغيير المنشود.
أن قيادة الحركة الشعبية الواعدة، استطاعت بناء مساحة مصالح مشتركة بين مجموعات مختلفة في مجالات محددة، لكنها لم تستطع إخراجها من الموقع الطائفي وتمنع التحاقها بالزعماء، فكان العمال يتظاهرون ويتحركون من اجل مصالحهم الاقتصادية، ويعودون الى انتخاب زعماء طوائفهم في الانتخابات النيابية.
قيادة الحركة الشعبية الواعدة استطاعت بناء مساحة مصالح مشتركة بين مجموعات مختلفة في مجالات محددة
هذه الحركة الشعبية رأت ان المشكلة بالمارونية السياسية، ولم تول أهمية لمسؤولية النظام الطائفي الذي تتزعمه المارونية السياسية. وفي الوقت ذاته، لم تكن تهدف الى اللجوء للعنف من اجل التغيير، وهذا كان واضحا بردود فعلها، بعد اقدام السلطة على قتل عمال غندور في بيروت ومزارعي التبغ في النبطية، ومن خلال الاصرار على التغيير ديمقراطيا.
اذن، وعلى الرغم من حدة الانقسام الداخلي، فان ذلك لم يدفع الاطراف المتنازعة للجوء الى العنف المسلح.
اما العامل الخارجي فلا يمكن النظر اليه، الا من خلال نتائج حرب حزيران ١٩٦٧، والتي أظهرت عجز الانظمة العربية عن مواجهة العدو الإسرائيلي،
بعدها انطلق الكفاح الفلسطيني المسلح، ليحدد أهدافه بتحرير فلسطين، وبدأت العمليات العسكرية ضد الاحتلال الاسرائيلي انطلاقا من الاردن وسورية.
وفي ٢١ اذار / مارس ١٩٦٨، وقعت معركة الكرامة، والتي تكبدت فيها إسرائيل خسائر فادحة، ما دفعها وحليفها الاميركي، الى وضع خطة بديلة، تقوم على استخدام الانقسامات العامودية في كل كيان محيط بالاراضي الفلسطينية المحتلة، كي تنهي الوجود الفلسطيني المسلح.
في لبنان، وهنا بيت القصيد، فقد جرى تجييش العصب المسيحي، بحجة ان الوجود الفلسطيني المسلح، يسعى لإقامة وطن بديل له في لبنان، يشكل خطرا داهما على الوجود المسيحي، وبالتالي على القوى المسيحية العمل، من اجل المحافظة على استقلال لبنان وسيادته، وساعد على هذا الاتجاه التجاوزات التي ارتكبتها الفصائل الفلسطينية، والفوضى التي عمت البلاد، وقد حاولت هذه الاطراف اللبنانية بتوجيه من الخارج، استخدام كل الخطب السياسية، لإظهار ان الخطر الرئيس على لبنان، يأتي من الوجود الفلسطيني المسلح، وقد جرت محاولات للوقوف بوجه الوجود الفلسطيني المسلح، من قبل القوى العسكرية الرسمية عام ١٩٧٣.
لكن المحاولات باءت بالفشل، فلم يعد امام العامل الخارجي، سوى تعميق الانقسام العامودي، وخصوصا ان اليسار اللبناني، والمجموعات الطائفية الاخرى، كان يرى من واجبه الدفاع عن الفلسطينيين بكل الوسائل، من دون أن يأخذ بعين الاعتبار بنية المجتمع اللبناني وانقساماته الطائفية، كما افترض ان القوة الفلسطينية ستكون شريكة له في عملية التغيير المرجوة.
لذلك وقع الداخل اللبناني بين شاقوفين، الاول يرى ان المحافظة على لبنان تتطلب إنهاء الوجود الفلسطيني، والثاني نظر الى لبنان كمساحة جغرافية، يستخدمها الفلسطيني في نضاله المسلح، وأن الحروب الاهلية يمكن ان تكون المعبر لعملية التغيير.
لذلك بدأت الحرب الاهلية المسلحة عام ١٩٧٥، والهدف الاساس منها إنهاء الوجود الفلسطيني المسلح على أيدي لبنانيين، ويدافع عن هذا الوجود ايدي لبنانية ايضا.
اي ان العامل الخارجي، ما كان سينجح في خطته، لولا اتكاله على الانقسام الطائفي الداخلي، وانغماس اليسار في الحرب الاهلية، ووقوفه الى جانب الإسلام السياسي، الساعي لاستبدال المارونية السياسية بالاسلام السياسي.
العامل الخارجي ما كان سينجح في خطته لولا اتكاله على الانقسام الطائفي الداخلي
لكن الصراع المسلح الداخلي ، لم ينه الوجود المسلح، فكان الاجتياح الاسرائيلي عام ١٩٨٢، والذي تركز نجاحه في إنهاء الوجود الفلسطيني المسلح، وبالتالي ازال الخطر الفلسطيني الخارجي عن دولة الاحتلال الاسرائيلي.
لكن الاحتلال الاسرائيلي أجرى عملية جراحية للجسم اللبناني، وساهم في تكريس الانقسامات العامودية.
واليوم وبديلا عن التفتيش عن حلول وطنية، تساهم في إعادة بناء مؤسسات الدولة في مختلف الميادين، نجد اطراف النظام الطائفي، تسعى الى تعزيز حصتها في الكيان والنظام والسلطة، من دون اي التفات لمقاييس المواطنة الفعلية.
ما يشهده لبنان الان من يوميات، يؤشر وصول الداخل اللبناني الى طريق مسدود، وكل اطراف السلطة تتطلع الى العامل الخارجي، ليرسم لوحته التي تؤمن مصالحه، مستخدما الساحة اللبنانية والشعوب اللبنانية، التي لم تستفد من دروس حروبها الاهلية السابقة.
ما يشهده لبنان الان من يوميات يؤشر وصول الداخل اللبناني الى طريق مسدود
ان هذه القراءة السريعة لأسباب بدء الحروب الاهلية المسلحة، تؤشر دوما الى اتجاه قراءة ما تلا الاجتياح الاسرائيلي للبنان، واستبدال نظام المارونية السياسية بنظام المحاصصة، الذي ابقى على جوهر النظام الطائفي كناظم للحياة، ومولد للنزاعات والحروب الاهلية الدورية، خدمة اساسية للخارج وعلى حساب الداخل. وما أشبه اليوم بالأمس.

