تستمر مذبحة غزة، ودمارها المريع، ويستمر نفاق حكومات دول الغرب، وتسترها وتغطيتها لعمليات قصف منازل غزة، ومستشفياتها وكنائسها ومدنييها العزل، تحت ذريعة “حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها”، فيما الحقيقة تتبدى ان ما تقوم به اسرائيل، هو استمرار احتلالها للاراضي الفلسطينية وتوسيع مستوطناتها واقتلاع شعب من ارضه، ومنعه من تقرير مصيره واقامة دولته الوطنية، فمنذ اكثر من منذ ٥٦ سنة، تجري عمليات تهويد الضفة الغربية، والاستيلاء على املاك الفلسطينيين ومواردهم، رغم ذلك، يستمر الاعلام الغربي في شيطنة “حركة حماس”، والصاق صفات الارهاب فيها، او الوحشية، او الاصولية الدينية، لا فرق، المهم ادانتها، هذه الادانة التي اصبحت مبتدأ كل مقابلة إعلامية، او بيان يصدر عن لقاء دولي اوخطاب سياسي، او مقالة في جريدة او موقع الكتروني…
الكذب وترويج الاتهامات الباطلة، والروايات الزائفة والاخبار الملفقة اصبحت صناعة يومية لحكومة اليمين الاسرائيلي
الكذب وترويج الاتهامات الباطلة، والروايات الزائفة والاخبار الملفقة، اصبحت صناعة يومية لحكومة اليمين الاسرائيلي، ينقلها رؤساء جمهورية وحكومات غربية، دون تدقيق او تمحيص، ولا يشعرون بخجل او عيب، حتى حين تكشف عين الحقيقة زيفها وخداعها، المهم استرضاء اسرائيل، وتبرير انتقامها وتشريع العنف المجنون الذي تقوم به وتمارسه… فمن كذبة “قطع رؤوس الاطفال”، التي رددها الغرب بشكل كامل وشامل، الى كذبة الصاق جريمة تدمير “المستشفى المعمداني العربي”، بصاروخ مزعوم ضل طريقه ل”الجهاد الاسلامي”، فيما الحقيقة البسيطة، ان اسرائيل طلبت افراغ المستشفى وهددت بقصفها، وزعمت ان تحتها نفقا ل”حماس”، ثم انكرت قصفها بعد انكشاف هول جريمتها، وفداحة الخسائر التي نتجت عن تدميره، فيما لم يشعر اي مسؤول غربي بعار الكذب والتستر على جريمة حرب، بعد ابراز دليل الجريمة الاسرائيلة بعرض جزء من غلاف القنبلة الاميركية، التي دمرت المستشفى بين انقاض المستشفى ذاتها…
في الوقت ذاته، تتوالى التهديدات الاسرائيلية المتكررة، بالطلب بتفريغ مستشفى القدس التابع للهلال الاحمر الفلسطيني، وبالاستمرار في قصف محيط مستشفى ناصر في غزة، ليكتمل سياق ضرب المستشفيات كسياسة معتمدة ومتسلسلة لتضم الى مسارها، استهداف الاطقم الطبية وقتلهم، واخراج ٢٤ مستشفى في غزة عن العمل…
تقوم هذه الوسائل باخراج عملية “طوفان الاقصى” من سياقها بجعل عملية “حماس” نقطة البداية
لا تكتفي آلة تزوير الحقيقة في الاعلام الاسرائيلي، وفي اغلب وسائل الاعلام الغربي، بكل ما تقدم من ممارسات تخرج عن اخلاق الصحافة والقيم المهنية الاعلامية، بل تقوم هذه الوسائل باخراج عملية “طوفان الاقصى” من سياقها، بجعل عملية “حماس” نقطة البداية، والسابع من تشرين اول الحدث، وكل الحكاية، ولتصور “مقاومة غزة” الطرف البادئ بالعدوان، واما اسرائيل، ففي موقف الضحية التي تدافع عن نفسها.
وللتذكير فقط، فإن حكاية التاريخ والحقيقة، هي حكاية احتلال استيطاني ونظام “ابارتهايد” عنصري بدأ منذ ٧٥ عاما، وتوسع وتمدد منذ ٥٦ عاما، ثم تم التوصل الى توقيع تسوية للنزاع في اتفاقية اوسلو سنة ١٩٩٣، برعاية اميركية، وخلال سنوات الصراع هذه، صدرت بصدده قرارات دولية لم تنفذ اسرائيل اي بند منها…
حكاية التاريخ والحقيقة، هي حكاية احتلال استيطاني ونظام “ابارتهايد” عنصري بدأ منذ ٧٥ عاما وتوسع وتمدد منذ ٥٦ عاما
اما لائحة وسائل اسرائيل لدفاع مزعوم عن نفسها، فهي كل جرائم الحرب الموصوفة بداية ب:
– جعل قطاع غزة أكبر سجن جماعي في التاريخ، يحتجز فيه اكثر من مليوني نفس بشرية.
– ممارسة العقاب الجماعي لكل سكان غزة، عبر قطع الماء والكهرباء والوقود والغذاء والاتصالات، عن أسر وعائلات بشرية تخضع لسلطة الاحتلال الإسرائيلي، التي تُحَمِّلها اتفاقيات جنيف، مسؤولية حماية المدنيين في ظروف الحرب.
– ممارسة جريمة التهجير الجماعي والتطهير العرقي والاجلاء القسري للسكان باستعمال العنف المفرط.
– استهداف المدنيين والقطاع الطبي والمستشفيات والتجمعات، في اماكن العبادة كالمساجد والكنائس التاريخية.
– رفض اعتماد اية هدنة انسانية، ومنع ايصال المواد الطبية والاغاثية لنازحين، اجبروا على الاقامة في العراء نتيجة قصف بيوتهم وتدميرها.
وبالرغم من كل جرائم اسرائيل هذه، فأن موقف حكومات الدول الغربية، يستمر في دعم اسرائيل واحتضانها وتبرير ممارساتها.
فيما لا تلوح في الافق، اية مبادرة للذهاب الى صفقة او تسوية، تتيح وقف التصعيد والحفاظ على الحد الادنى، من احترام القانون الدولي الانساني…
ما يريد تحقيقه اليمين القومي والديني الصهيوني اليوم من مذبحة غزة، لا يتضمن فقط عملية انتقام وعقاب جماعي لأهل فلسطين، ولا انزال اكبر قدر ممكن من الخسائر، في صفوف حركة “حماس” وبناها التحتية وتجهيزاتها الميدانية، الاهداف الاسرائيلية ترمي الى تحقيق اهداف استراتيجية، ابعد مدى من الانتقام من صفعة “طوفان الاقصى”، ومن السعي لاستعادة هيبة جيش الاحتلال، وتأكيد قدرته على الردع، وترميم صورة اجهزة مخابراته واجهزته الامنية…
المواجهة الراهنة هي منعطف بالغ الاهمية في مشروع اليمين الاسرائيلي، لتحديد مستقبل الكيان الصهيوني وطبيعة دولته السياسية والثقافية والايديولوجية ؛ فبعد اتفاقية اوسلو التي شرع ياسر عرفات واسحق رابين بتنفيذها كانت فلسطين التاريخية، تنتظر رسم واقع قانوني، يقوم على بناء دولة فلسطينية، في معظم الضفة الغربية وكامل قطاع غزة وشرقي القدس، ويعيش على ارضها أقل من اربعة مليون فلسطيني، اضافة الى حوالي ٢٠٠ الف مستوطن، فيما تضم دولة اسرائيل حوالي ٦ مليون يهودي، واقل من مليوني مواطن غير يهودي معظمهم فلسطينيون عرب..
لا تلوح في الافق اية مبادرة للذهاب الى صفقة او تسوية تتيح وقف التصعيد والحفاظ على الحد الادنى من احترام القانون الدولي الانساني…
كان هذا الواقع السياسي والديموغرافي، يشكل خطرا وجوديا على المشروع الصهيوني، من وجهة نظر اليمين القومي والديني، الذي لا يكتفي بحدود ال ٦٧، بل يريد استيطان وتهويد الضفة الغربية، وكانت توقعاته، اذا ما نجحت التسوية، انه خلال سنوات لا تتجاوز عقد من الزمن، فان الاستيطان في الضفة الغربية سيتراجع وقد يصبح هامشيا، فيما يتعزز حضور العرب سياسيا واقتصاديا داخل الخط الاخضر، لدرجة قيام كتلة او كتل برلمانية عربية، يمكن ان يصل تعداد نوابها الى ١٦ او ١٨ نائبا، وهي كتلة وازنة لانتزاع حقوق المواطنة والعدالة، داخل المجتمع الاسرائيلي، ولتوسع فعالية الحضور العربي، في كافة مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، ولتؤثر في مسار بقاء الحكومات الاسرائيلية او اسقاطها…
لذلك اعتبر اليمين الاسرائيلي، ان مواجهة التسوية السلمية ومنع حل الدولتين، يتضمن الاجراءات التالية:
– قتل رابين اولا، و تخريب علاقات اميركا وعرفات ثم قتل عرفات نفسه.
– تسهيل حضور وتنامي اتجاه اسلامي متطرف، يرفض التسوية من على الضفة الاخرى للنزاع، سواء كانت “حماس” أوغيرها، وحتى داخل الخط الاخضر، في عملية مزدوجة قضت باضعاف الصفة التمثيلية لمنظمة التحرير، وبانبثاق حركة اسلامية داخل الكيان، بسقف مرتفع لا يقبل بدولة اسرائيل، وبمناهضتها على قاعدة “خذ وطالب”.
– غض الطرف عن استيلاء “حماس” على قطاع غزة وانشاء حكومة لها، وعلى ارضية الانقسام الفلسطيني، نجح اليمين الاسرائيلي بوقف مسار التسوية وحل الدولتين، بحجة عدم وجود شريك سلام فلسطيني.
– اعلان “يهودية الدولة” ونزع صفة المواطنة عن عرب ال ٤٨، واشهار نظام “ابارتهايد” عنصري، لا يعترف بحقوق عرب الكيان او مطالبهم.
كانت معركة “سيف القدس” منعطفا هاما اظهر وحدة الشعب الفلسطيني في ارجاء فلسطين وخلط الاوراق الذي حرص على توزيعها اليمين الاسرائيلي
توسيع مستوطنات الضفة الغربية عاموديا، عبر البناء في المستوطنات القائمة، وأفقيا عبر اقامة مستوطنات جديدة، والاستيلاء على اراض فلسطينية جديدة، وتطويق المدن الفلسطينية بجدران الفصل العنصري، وتقطيع اوصال الضفة الغربية، لتصبح جزرا منفصلة لا تصلح لاقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا. وليرتفع عدد المستوطنين في الضفة، الى اكثر من ٧٠٠ الف مستوطن.
قبل معركة “سيف القدس”، التي اندلعت اثر سعي الصهاينة، للاستيلاء على منازل فلسطينية في حي الشيخ جراح المقدسي، حسب اليمين الاسرائيلي، انه حقق كل اهدافه، لا دولة فلسطينية يمكن ان تنشأ بسبب الانقسام الفلسطيني، من جهة اولى، وبسبب الاستيطان الذي مزق الضفة الغربية من جهة ثانية، وبسبب تحول سلطة رام الله، الى طرف عاجز ومستفرد من جهة ثالثة، وبسبب تحالف “حركة حماس” مع ايران، التي تمد نفوذها على حساب دول المشرق العربي، كما تهدد دول الخليج من جهة رابعة، فيما أظهرت حرب اليمن، انكشاف الامن العربي امام ايران واذرعها، واستنتجت بعض دولها ان التطبيع مع اسرائيل، قد يوفر لها حماية مزعومة…
كانت معركة “سيف القدس” منعطفا هاما، اظهر وحدة الشعب الفلسطيني في ارجاء فلسطين، وخلط الاوراق الذي حرص على توزيعها اليمين الاسرائيلي، واكتشف ان غزة بقيادة “حماس”، التي تصور لها، مهمة مواجهة مشروع الدولة الفلسطينية، ومشروع جعل الحضور العربي داخل كيان العدو، مشروعا لا يبنى عليه اي مكسب او حراك، لانتزاع الحق بالمواطنة والعدالة، اكتشف ان غزة تلك اصبحت خنجرا في حلقه يدميه، ويفرض عليه التراجع وتقديم التنازلات، ولذلك هو يريد تصفية غزة كل غزة، لا تصفية حركة “حماس” فقط، ويريد تصفية القضية الفلسطينية بكل ابعادها، تضحيات غزة تستحق انتصارا، لايضمد الجراح فقط ولا يكفكف دموع الاطفال فقط، بل يصنع وطنا للحياة والحرية والاستقلال لشعب فلسطين، تلك مسؤولية “حركة حماس” اولا، ومصر والاردن والسعودية ثانيا، وكل من وعلا صوته لدعم شعب الجبارين، من “حزب الله” الى ايران، الى كل متظاهر في مدن العالم.
{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ…}

