اتهم الرئيس البيلاروسي لوكاشينكا في مؤتمره الصحافي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بولندا، بنية دخول الحرب بهدف ضم القسم الغربي من أوكرانيا، قد يكون هذا الاتهام تحضيرياً للرأي العام ومبرراً لفتح بيلاروسيا جبهة جديدة ضد بولندا. أما السبب فهو إيجاد دور جديد لفاغنر تستهلك فيه طاقاتها، بعيداً عن روسيا، وكذلك إلهاء أوروبا الغربية بوحول جبهة جديدة، لن تكون الأخيرة على الأرجح مع العلم، إن قدرة احتمال المشقات لدى شعوب شرق أوروبا واقتصاداتها، تفوق بكثير قدرتها على التحمل لدى شعوب غربها، فالشرقيون معتادون أكثر على صعوبات الحياة وعلى قدرات شرائية محدودة!
وما يحاول لوكاشنكا قوله أيضاً، هو إن نية الناتو هو تقسيم أوكرانيا، وليس الحفاظ عليها موحدة. كثيرون لن يأخذوا كلام لوكاشنكا على محمل الجد، لأنه معتاد برأيهم على إطلاق الاتهامات في كل الاتجاهات. ولكن السؤال الجدي هو هل هناك نوايا بولندية من جهتها في دخول الحرب، وهل إن بداية الحشود العسكرية البولندية قرب الحدود مع بيلاروسيا، هو مقدمة لدخولها في الحرب، أم أنه إجراء دفاعي في وجه بيلاروسيا وفاغنر؟! بالتأكيد أن لوكاشنكا ينفذ إرادة فلاديمير بوتين. ولذلك، من الضروري معرفة خلفية العلاقات الروسية – البولندية التي يمكنها أن تبرر فتح جبهة جديدة معها!
هل يكفي الحشد العسكري البولندي لتأكيد نية بولندا بدخول الحرب وهل يعني ذلك موافقة الناتو على توسيع رقعة الحرب؟
يذكر الجميع أن بولندا كانت بوابة الحرب العالمية الثانية بعد احتلالها من هتلر. وهي كانت المنطقة الفاصلة بين الشرق والغرب.
وقد لا يتنبه الكثيرون أن لبولندا حدوداً بالفعل مع روسيا، على الرغم من أن المعروف أن أوكرانيا وبيلاروسيا تفصلان بين بولندا وروسيا، من جهة الوسط والجنوب وأن 3 بلدان تفصل بينهما شمالاً. وهم من الغرب باتجاه الشرق ليتوانيا – لاتفيا – روسيا أو ليتوانيا – لاتفيا – إستونيا – روسيا!
إقرأ أيضاً: المخرج السوري الراحل عمر أميرالاي..يطل من «سرسق» الأشرفية
ولكن هناك في الواقع منطقة حدودية بين بولندا وروسيا. وهي منطقة صغيرة نسبياً. وهي الحدود الوحيدة بين بولندا وروسيا. وهي منطقة كالينينغراد. وهي مثل جزيرة برية لا عمق ولا حدود لها مع روسيا. وتبلغ مساحتها 224 كم2 فقط. تحيط بها فقط كل من ليتوانيا وبولندا. ولكنها تطل شمالاً على بحر البلطيق. .وهي تبعد 663 كم عن روسيا. إن تحالف مثلث ليتوانيا – أوكرانيا – بولندا يجعل كالينينغراد بمثابة “الساقطة عسكرياً”، ولكن هل يجرؤون عليها بوجود وحدة عسكرية بحرية قوية جداً فيها؟!
اليوم، تحكم العلاقات الروسية البولندية معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة في العام 1992. وعلى الرغم من أن بولندا هي شريك روسيا الاقتصادي الخامس على المستوى الأوروبي، فإن بولندا أبدت انزعاجها من ضم روسيا لمنطقة القرم في العام 2014. كما أن روسيا لم “تهضم” بسهولة دعم بولندا لانتفاضات جورجيا 2003 وأوكرانيا 2004 ضد روسيا. وقد تراجعت هذه العلاقات منذ بدء الحرب الروسية – الأوكرانية.
البولنديون لم ينسوا حتى اليوم كارثة سمولنسك الجوية في 10 نيسان 2010، خلال زيارة قيادة بولندا لروسيا لإحياء ذكرى مجزرة كاتين. وقد سقط في الكارثة الجوية 96 ضحية، بينهم رئيس البلاد وزوجته وعدد من الفريق الرئاسي وقيادة الأركان وبرلمانيون ورجال دين وممثلون عن عائلات العسكريين (22.000 ضابط وعسكري) الذين أعدموا جماعياً، ثم قبروا في غابة كاتين من قبل الاتحاد السوفياتي في شهري نيسان وأيار من العام 1940، بأمر من جوزف ستالين. وعلى الرغم من نظريات المؤامرة المتتالية والاتهامات ضد روسيا، والتي لم تنتهِ حتى اليوم، وعلى الرغم من عدد من التحقيقات، فليس هناك أي دليل على ضلوع روسيا بالكارثة الجوية حتى اليوم.
مع العلم، أن معارك روسيا مع بولندا تعود الى القرون الوسطى، كما الى العام 1830 وسقوط وارسو أمام الجيش الملكي في أيلول 1831.
وتعتمد بولندا دفاعياً على مثلثين: مثلث فيمار الذي يضمها الى فرنسا وألمانيا، ومثلث فيسيغراد الذي يضمها الى المجر وتشيكيا وسلوفاكيا). كما تعزز بولندا تعاونها مع السويد التي لا يفصلها عن بولندا سوى بحر البلطيق!
معارك روسيا مع بولندا تعود الى القرون الوسطى كما الى العام 1830 وسقوط وارسو أمام الجيش الملكي في أيلول 1831
بيلاروسيا من جهتها تغطي بحدودها الجنوبية شمال أوكرانيا بأكمله بطول حوالى 1.100 كم. وتتشارك بحدودها الغربية مع بولندا بطول 400 الى 420 كم. بولندا من جهتها كانت أنشأت محطة تلفزيونية بيلاروسية تبث من أراضيها. وهي تستثمر حالياً ومنذ سنوات 21 مليار دولار لتطوير قدراتها العسكرية.
ومع ذلك، هل يكفي الحشد العسكري البولندي لتأكيد نية بولندا بدخول الحرب، وهل يعني ذلك موافقة الناتو على توسيع رقعة الحرب، أم أن بوتين يقوم ب “توريط” الناتو أكثر وبإغراق أوروبا واقتصاداتها في وحول حروب جديدة، وهل توسع الجبهات يزيد من حجم الحرب العالمية الثالثة التي تجري بالواسطة ومن دون أسلحة نووية… حتى الآن؟!
في حروب اليوم ابحثوا دائماً عن الطاقة!

