ما سر هذه الطمأنينة على عتبة السبعين؟

غسان صليبي

اقف على عتبة عمر السبعين، على مسافة سنة واحدة بالمقياس الزمني، اي على بعد فشختين فقط نسبة لسرعة مرور الزمن.

مع ذلك استقبلتُ عيد ميلادي هذه السنة بطمأنينة فاقعة، حيّرتني. ذلك ان للطمأنينة في العادة أسبابها، فتشت عنها، فوجدتها مبعثرة وغير ثابتة.

لماذا غياب الرهبة- حتى ولو كانت شيئا من الارتباك على الاقل- مع انتقالي الحثيث الى العقد الذي ينتهي فيه عادة المشوار؟ فبحسب ما يدل عليه متوسط سنوات العيش المتوقع عند الولادة، يتراوح المتوسط العالمي العام بين 73 و 77 سنة،

وعند الرجال بين 71  و 73 سنة، فيما يبلغ في لبنان حوالي  80 عاماً عند النساء و78 عاما عند الرجال.

إتراني لا أخاف من الشيخوخة ولا من الموت؟ يقولون أن “المرء عدو ما يجهل”، فالناس تخاف من المجهول او من الغامض او من الجديد. لطالما اختبرتُ العكس: اخاف مما اعرفه، اذا كان يخيف، مثل المرض او الألم، ولا أخاف مما اجهله، أكان موتا او شيخوخة. لكن الا اخاف من ان أفقد الى الأبد غسان الذي اعرفه جيدا؟ بلى. ألن تجلب معها الشيخوخة التي لا اعرفها المرض والألم اللذين اعرفهما؟ بلى. هل اعاني اذا من حالة انكار؟…ربما نعم وربما لا…

حالة افراد العائلة مطمئنة صحيا ومهنيا، وأهم من كل ذلك بالنسبة لي، ان ما يحرك ولدَيّ، ابنتي وابني، في سلوكهما وفي مواقفهما، هي نزعتهما الانسانية، بعيداً عن العقائد الجامدة والأفكار المسبقة. هل هذا اكثر ما يطمئن اباً على عتبة السبعين، ويجعله قادرا ان يغمض عينيه بسلام عندما يحين الوقت؟ هل هذا ما يسمّونه الاستمرارية من خلال الاولاد؟….ربما نعم وربما لا….

ماذا عن تأثير الحالة الوطنية على شعوري بالطمأنينة؟ فهل تتطبّعتُ مع “لاجدوى” الزمن الوطني واعتنقتُ “لاجدوى” القلق على المستقبل؟….ربما نعم وربما لا ….لأن “لاجدوى” الزمن الوطني قد تجعلك تتمسك أكثر بالزمن الشخصي، كخشبة خلاص وحيدة. هل طغت هموم الوطن على هممومي الشخصية؟….ربما نعم وربما لا…لأن الهموم الوطنية قد تشيح عن انتباهك الهموم الشخصية لساعات لكنها لن تستطيع إلغاء ما ينام ويصحو معك.

ماذا عن احوال الجسد وتأثيراته على شعوري بالطمأنينة؟ ألأنه لا أمراض مزمنة اعاني منها حتى الآن- بلا حسيدة- ولا اوجاع غير اعتيادية، تجدني لا  اتوجس كثيرا من تقدم العمر؟ …ربما نعم وربما لا….. فمفاجآت الجسد، لا سيما الخطيرة منها، لا تسمح لك بالنوم على حرير.

عندما كان “يُعيَّرُ” اصدقاءٌ في عمر الستين بانهم “جهلانين”، كنت اجيب بين المزح والجد- والمزح اصدق من الجد- “بسيطة لأنها آخر جَهْلِة”، على اعتبار انه في عمر السبعين لا مجال “للجَهْلة”. فهل سأكتشف في عمر السبعين ان “الجَهْلِة” لن تفارقنا الا مع الموت، فهي نتيجة انجذابنا إلى الانسان الآخر، وهي متأصلة في خلايانا منذ الولادة، وإن كانت حرية الإفصاح عنها تتناقص مع العمر؟ …هل هذا يدعو للإطمئنان؟ ….ربما نعم وربما لا…

هل الطمأنينة علامة نضج مع العمر، وهو ماةيسمّونه أيضا “القناعة”؟….لم تكن الطمأنينة يوما أمام المخاطر، علامة نضج بل علامة استخفاف. اعتقد بأنني بت استخف بالواقع. فقد درجتُ على القول في المدة الأخيرة، “نفّخ عليها لأنها لن تنجلي” على عكس ما يُقال عادة ، اي “نفّخ عليها لأنها تنجلي”. هذا  ليس اعلانا لتشاؤم مطلق، بل استخفافا بوطأة الواقع، فرغم انه لن  يتحسن كما يبدو، نفّخ عليه مع ذلك، كتعبيرٍ عن رفضك له. انه استخفاف بالتشاؤم، دون ان يتطور إلى تفاؤل مطمئن.

هل حلّت عليّ الطمأنينة لأني بت اشعر ب”الاكتفاء” الذاتي على المستوى الفكري؟ قطعا لا.

صحيح أنني شعرت هذه السنة وكأنني قلت “كلمتي” في هذه الحياة. فقد أصدرتُ كتابا عن سيرتي المهنية، وسردتُ فيه حكايتي في مجال العمل، متوقفا عند مواقفي الصريحة من الحركة النقابية اللبنانية والعربية.  كما انني صوّرت “بودكاست”، حاورني فيه الأستاذ انطوان سعد لساعة كاملة، افصحتُ فيه عن قناعاتي بدون اي مواربة في الدين والاقتصاد والاجتماع والسياسة، في مراجعة سريعة لكتبي الثلاثة الصادرة عن دار سائر المشرق: “انسانية يسوع، حوار مع بيئتي المسيحية”؛ “متاهات التغيير في زمن الممانعة”؛ “تطوير النقابات العربية، تحديات مسيرة مهنية”.

لكن هل بت اشعر فعلا اني قلتُ “كلمتي”؟ لا أعتقد. مسألتان لا تزالان تشغلان بالي: هذه النزعة “الانسانوية” التي ادّعي انها تحرك فكري وسلوكي، ماذا تريد ان تقول بالفعل؟ هل معرفتي بها، على ما هي عليه اليوم، تسمح لي بالتعرف على نفسي على حقيقتها؟ الا تستحق كتابا خاصاً يفصّل مبادئها وخياراتها من وجهة نظري، بدل أن تبقى هذه المبادىء وهذه الخيارات مشتتة وربما متناقضة، في كتبي ونصوصي هنا وهناك، وتحتاج لمن يرصدها ويبلورها ويضعها في قالب واحد؟

المسألة الثانية هي مصير شعبي ووطني. فأي صيغة حكم سياسية، تستطيع ان تحمي شعبي وشعوب المشرق العربي من المجازر المذهبية والطائفية التي لا تفارقهم، فيتأمن الاستقرار السياسي ما يساعد ربما على التنمية الاجتماعية والاقتصادية؟ وهل سأناضل من أجل هذه الصيغة السياسية، على الاقل فكريا، في عقد السبعين، ام أنني سأستقيل من هذه المهمة الشاقة؟

اعرف اعزائي، ان لا شيء يُطمئِن فعلياً: لا العمر ولا الجسد ولا الفكر ولا الوطن. فلماذا اشعر بالطمأنينة على عتبة السبعين

وهل يمكن أن اسمّيها طمأنينة ان لم أطمئن اليها؟

لعله هذا  التساؤل الدائم هو ما يجلب الطمأنينة الى قلبي. فهذا يعني أنني لا ازال حراً…اي حياً…على عتبة السبعين.

السابق
الكتائب: الإسراع بتنفيذ اتفاق الإطار… وإيران مطالبة بالكف عن دعم الميليشيات