مع كلّ عودة لأهالي مدينة صور إلى مدينة الحرف والبحر والحضارة، تتكشّف ملامح جديدة تجعل المدينة تبدو مختلفة على مستوى عمرانها، وطرقاتها، وتركيبتها الديموغرافية، وحتى أسلوب الحياة فيها.
ويتحدّث أحد أبناء صور لـ”جنوبيّة” بحسرة عن التحوّلات التي أصابت مدينته، قائلاً بلغة لا تخلو من المجاز إنّ “الوافد إلى المدينة بات يستطيع رؤية البحر من أي مكان يقف فيه”، في إشارة إلى حجم الدمار الهائل الذي خلّفه استهداف العديد من المباني والوحدات السكنية والمحلات التجارية، ما جعل أجزاء واسعة من المدينة مكشوفة.
ويضيف أنّ الوجوه التي كانت ترتاد المقاهي تغيّرت، فبرغم كلّ المحاولات لإحياء مظاهر الحياة الطبيعية واستعادة الاستقرار، فإنّ وجود عدد من الإيرانيين والعراقيين في بعض أحياء المدينة يثير، بحسب تعبيره، الريبة والتساؤلات. ويتساءل: هل هؤلاء مقاتلون تتمّ مكافأتهم عبر تأمين إقامة لهم في المدينة تحت عنوان “استراحة المحارب”؟ وهل يمهّد وجودهم لمواجهة عسكرية جديدة قد تعني مزيدًا من الدمار؟
ويشير إلى أنّ الركام لا يزال يملأ الشوارع، فيما ينشغل السكان بالبحث عن مساكن بديلة في ظلّ الارتفاع الكبير في بدلات الإيجار، وصعوبة ترميم المنازل نتيجة ارتفاع أسعار الزجاج والألمنيوم، إضافة إلى استمرار أزمة المياه والكهرباء.

اتهامات بالتضليل الإعلامي وتكريس خطاب طائفي
في المقابل، يتحدّث مواطن آخر لـ”جنوبيّة” عن ما يصفه بـ”المظاهر المخادعة” التي تروّج لها بعض المواقع والمنصّات المقرّبة من حزب الله.
ويقول إنّ هذه المنصّات تعتمد عبارة “صور مدينة الإمام الحسين”، وتُرفق مشاهد الدمار والخراب بلطميات، بما يضفي، بحسب رأيه، طابعًا طائفيًا على مدينة عُرفت تاريخيًا بتنوّعها الديني والاجتماعي.

ويضيف أنّ هذه المنصّات تحرّض على كلّ من يشتكي من انقطاع الكهرباء، وتحمل المسؤولية لمؤسسة كهرباء لبنان، مع توجيه انتقادات خجولة فقط إلى نواب الثنائي الشيعي الذين يمثّلون المدينة، معتبرًا أنّ ذلك يندرج ضمن “النكد السياسي” الذي يمارسه حزب الله تجاه الحكومة اللبنانية.
ويتابع: “من المفارقات أنّ أحد أكثر المواقع الصورية انتشارًا تحدّث عن ارتفاع تعرفة اشتراكات المولدات إلى 300 دولار في بلدة الحوش، ورفض اعتبار أهلها مواطنين من الدرجة الثانية، من دون أن يعترض على تعرفة الاشتراك في مدينة صور نفسها، والتي تبلغ نحو 145 دولارًا، رغم أنها تبقى مرتفعة جدًا قياسًا بالأوضاع المعيشية للمواطنين المنكوبين.”
شاطئ صور… لم يعد كما كان
ولا يمكن الحديث عن صور من دون التوقف عند بحرها، الذي شكّل على الدوام أحد أبرز رموز المدينة.
ويروي أحد أبناء المدينة المعروفين بعلاقتهم الوثيقة بالبحر لـ”جنوبيّة” أنّ شاطئ صور بات، شكلاً وواقعًا، أقرب إلى احتواء خيم النازحين، فيما يقتصر مرتادو الخيم البحرية والشاطئ العمومي، الذي يعاني من التلوث نتيجة اختلاط مياه البحر بمياه الصرف الصحي، على أبناء القضاء والمغتربين والأجانب، ما يكرّس، بحسب تعبيره، مقولة: “شاطئ صور بطّل لأهله”.

أعباء معيشية وتفكك اجتماعي
على الصعيدين النفسي والاجتماعي، رصدت “جنوبيّة” تراجعًا في الحراك الاجتماعي والمدني داخل المدينة، في ظلّ تفكك اجتماعي متزايد.
فالأعباء الاقتصادية المتراكمة، من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأساسية، وشحّ اليد العاملة اللازمة لترميم المنازل، تدفع السكان إلى الخلاف على أبسط التفاصيل، من تأمين نقلة مياه، أو اشتراك كهربائي، أو مساعدات غذائية، وهو ما يعكس حجم الضغوط الإنسانية والاجتماعية والنفسية التي تعيشها المدينة.

أسئلة مفتوحة… والإجابة عند أهل المدينة
وسط هذه الوقائع، تبرز أسئلة يصعب تجاهلها: هل بدأت الحرب ترسم ملامح جديدة لمدينة صور؟ وهل تسعى قوى الأمر الواقع إلى الهروب من مسؤولياتها وخسائرها عبر التضليل وإخفاء الحقائق؟
تبقى الإجابة، في نهاية المطاف، لدى أهالي صور أنفسهم، الذين يعيشون يوميًا تفاصيل مدينة تحاول النهوض من تحت الركام، فيما لا تزال آثار الحرب ترسم حاضرها، وربما مستقبلها أيضًا.

