تتسارع التطورات الدبلوماسية في العاصمة الأميركية واشنطن عقب اختتام الجولة الرابعة من المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل؛ إذ كشفت تسريبات موثوقة عن أجواء وُصفت بالإيجابية تعبد الطريق أمام اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار يمتد لـ 60 يوماً. ورغم هذا التقدم الملحوظ، لا تزال هناك نقاط جوهرية شائكة عالقة بين الطرفين تتعلق بآلية الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات اليوم التالي لما بعد الهدنة.
كواليس الموقف الأميركي.. فيتو ترامب وتأهيل الجيش اللبناني
وفي تفاصيل الحراك الدبلوماسي، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر مطلعة أن المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية “تسير بشكل جيد” وأسفرت عن تحقيق “توافقات” مبدئية بين الجانبين. وتأتي هذه الحلحلة تحت ضغط مباشر من إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي تدفع بقوة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة في لبنان.
وقد حملت التسريبات ملامح واضحة للإستراتيجية الأميركية الحالية:
- فصل المسارات الإقليمية: قضت التوجيهات الصارمة الصادرة عن الرئيس ترامب بضرورة الفصل الكامل بين الملفين اللبناني والإيراني، وعدم السماح بتحويل الساحة اللبنانية إلى ورقة تفاوض أو مساومة في المحادثات الموازية الجارية مع طهران.
- إعادة تأهيل الجيش: تشمل الترتيبات الأمنية المطروحة بالتوازي مع وقف إطلاق النار دوراً أميركياً مرتقباً يتولى بموجبه الجانب الأميركي مهمة تدريب الجيش اللبناني وتأهيله لتمكينه من ضبط الأمن.
وفي سياق متصل، أدلى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بتصريح لافت اعتبر فيه أن بيروت وتل أبيب “يمكنهما التوصل إلى اتفاق سلام غداً”، لكنه وجّه أصابع الاتهام إلى حزب الله واصفاً إياه بـ «العقبة الرئيسية» أمام هذا المسار.
كما أشار روبيو إلى تحفظات واشنطن بشأن وجود عناصر داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية لا تنظر إليها الإدارة الأميركية بإيجابية، بدعوى رصد حالات تعاون أو تسهيل لأنشطة الحزب.
المعادلة الميدانية.. عُقدة عدم الانسحاب وتحييد بيروت
على الصعيد الميداني والجغرافي للمفاوضات، حملت التسريبات الإسرائيلية رسائل مزدوجة؛ حيث تعهدت تل أبيب بعدم استهداف العاصمة اللبنانية بيروت في المرحلة المقبلة كبادرة حسن نية إيجابية.
إلا أن المقابل الإسرائيلي شكّل العقدة الأبرز على طاولة البحث؛ إذ تبين أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب في المدى المنظور من المناطق والقرى التي توغلت وسيطرت عليها حالياً داخل الجنوب اللبناني، وهو ما ترفضه بيروت بالمطلق ويفرمل التوقيع النهائي على المسودة.
شروط حزب الله.. الشمولية والانسحاب الكامل ورفض الخروقات
في المقابل، لم يتأخر الرد السياسي من جانب المقاومة؛ إذ نقلت مصادر قيادية في حزب الله موقفاً حاسماً حدد الثوابت المقبولة لإبرام أي تسوية، وتتمثل في الآتي:
- الشمولية والانسحاب: شدد الحزب على أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملاً وكاملاً وغير مجتزأ، بحيث يغطي القرى والمدن اللبنانية كافة دون استثناء، وأن يكون مدخلاً إلزامياً لانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية كافة.
- رفض حرية الحركة للاحتلال: أكدت المصادر الرفض القاطع لأي صيغة أو ملحق أمني يمنح الجيش الإسرائيلي “حرية الحركة” داخل الأجواء أو الأراضي اللبنانية، أو يشرعن للاحتلال القيام بخروقات مستقبلية تحت ذرائع أمنية، متمسكين بالسيادة الوطنية الكاملة.
- تطبيق مشروط بالالتزام: أوضح الحزب أن موقفه النهائي من الاتفاق وصيغته النهائية سيتحدد حصراً بناءً على مدى التزام إسرائيل الفعلي بالبنود على أرض الواقع، مستنداً إلى ما وصفه بـ «السجل الإسرائيلي الحافل» بنقض الاتفاقات وعدم احترام المواثيق الدولية.
وأمام هذه التباينات، يبدو واضحاً أن الفجوة لا تزال قائمة برغم الأجواء الإيجابية المتداولة؛ حيث بات مصير «هدنة الـ 60 يوماً» المقترحة معلقاً بقدرة الوسطاء الدوليين على تفكيك معضلة الانسحاب الميداني وصياغة ضمانات أمنية متبادلة يرتضيها الطرفان.

