استطلاعات محايدة: الشارع الشيعي يكسر الصمت حيال التسوية.. 34% من الشيعة يؤيدون إبرام اتفاق لبناني-إسرائيلي

المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية

تشهد الساحة اللبنانية تحولاً عميقاً وإشكالياً في توجهات الرأي العام حيال أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، وعلى رأسها ملف التفاوض المباشر وإبرام اتفاق سلام مع إسرائيل.

ففي مقابل استطلاعات الرأي التي تجريها شركات ومؤسسات تدور في فلك “حزب الله” ومنظومته الإعلامية —والتي تحرص على إظهار شبه إجماع بنسبة تلامس 90% لرفض أي مسار تفاهمي لدى معظم الطوائف— تكشف أرقام وبيانات الشركات الإحصائية المستقلة والمحايدة عن واقع مغاير تماماً ينبض في المجالس البعيدة عن الضوء، حيث يربط مواطنون، لا سيما في البيئة الشيعية، بين واقعهم المعيشي المرير ومآسي الحرب والنزوح والقتل، محملين الحزب مسؤولية هذه التداعيات بعد تفضيلهم الإفصاح عن آرائهم الحقيقية متى ضمنوا سرية هوياتهم وبعدهم عن الملاحقة أو الضغط الأمني.

وتأتي هذه المعطيات بالتزامن مع انعقاد جلسة المفاوضات المباشرة الأولى بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الأميركية واشنطن في وقت سابق من شهر أيار الجاري، لتفتح الباب أمام قراءة سوسيولوجية وسياسية جديدة للمجتمع اللبناني.

أولاً: أرقام “ستاتيستيكس ليبانون” (نيسان 2026) وحقيقة الموقف الشيعي

كشف استطلاع للرأي العام أجرته شركة “ستاتيستيكس ليبانون” في شهر نيسان من العام الجاري (2026)، شمل عينة احتمالية متناسبة مع الحجم (PPS) مؤلفة من 1200 مواطن من مختلف المناطق اللبنانية عبر مقابلات هاتفية، عن اختراق بارز في الموقف الشيعي التقليدي:

  • التسوية السياسية: أبدى 38% من المستطلعين الشيعة تأييدهم للسير في تسوية سياسية، في حين عبرت نسبة 28% فقط عن معارضتها الشديدة لهذا الخيار.
  • الاتفاق الثنائي والأبعاد الطائفية: أظهرت النتائج أن 34% من الشيعة يؤيدون إبرام اتفاق لبناني-إسرائيلي، وتتمدد هذه النسبة لتبلغ 67% لدى البيئة السنّية، بينما قفزت إلى 83% لدى المسيحيين الذين يعتقدون بأهمية هذا الاتفاق.
  • الأولويات الشعبية في زمن الحرب: أكد الاستطلاع أن الاقتصاد والقمة المعيشية يظلان الشغل الشاغل للمواطنين بالدرجة الأولى حتى في قمة النزاع؛ حيث اختار 72% من المستطلعين الملف الاقتصادي كقضية رئيسية أولى، بينما حل الملف الأمني في المرتبة الثانية بنسبة 58%.

ثانياً: طفرة “الدولية للمعلومات” وسؤال البيولوجيا المجتمعية

أثارت الدراسة الإحصائية التي أعدتها “الشركة الدولية للمعلومات” ونشر موقع “جنوبية” جزءً منها، ضجة سياسية وإعلامية واسعة، مما دفع بالجيش الإلكتروني التابع لـ”حزب الله” إلى شن حملة تشكيك واسعة في صدقيتها، رغم أن الشركة لا تصنف تاريخياً في خانة العداء للثنائي الشيعي.

وقارنت الدراسة بين المؤشرات الحالية ومؤشرات استطلاع سابق أُجري في آب 2025 (أي في غضون أقل من عام واحد)، راصدة القفزات الإستراتيجية الآتية في المزاج الشعبي العام:

  • قفزت نسبة اللبنانيين المؤيدين لعقد اتفاق سلام مع إسرائيل من 25% إلى نحو 49%.
  • ارتفعت نسبة المؤيدين لخطوة التطبيع الكامل من 13.2% إلى أكثر من 30%.

وأمام هذه الطفرة الرقمية غير المسبوقة، طرح رئيس الشركة جواد عدره تساؤلاً جوهرياً يمس بيولوجيا المجتمعات وتحولاتها:

“هل تتغير الاقتناعات السياسية فعلاً نتيجة التوعية، أو أن المجتمعات المنهكة والمستنزفة تصبح غريزياً أكثر استعداداً لتبني خيارات قاسية كانت ترفضها قطعاً في السابق؟”

ثالثاً: خريطة الانقسام الطائفي وسقوط الأدبيات التاريخية

فصّلت دراسة “الدولية للمعلومات” مستويات الدعم والرفض إزاء سؤال مباشر ومحدد: “ما موقفك من التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل؟”، وجاءت النتيجة العامة لتؤكد أن قرابة 49% من الرأي العام اللبناني يميلون لدعم مبدأ التفاوض (21.9% تأييد شديد، و27.1% تأييد جزئي وإلى حد ما).

أما على الصعيد الطائفي، فقد سجل خيار التفاوض المباشر أعلى مستويات التبني والدعم لدى البيئات الآتية:

الطائفةالتأييد الشديدالتأييد الجزئي (إلى حد ما)إجمالي نسبة التأييد
الموارنة36.2%41.8%78%
الروم الأرثوذكس37.5%36.1%73.6%
الدروز50.9%21.1%72%

وقد توقف المراقبون السياسيون ملياً عند التحول الجذري العاصف واللافت داخل الطائفة الأرثوذكسية تحديداً، نظراً لما تمثله هذه البيئة تاريخياً وفكرياً من ناصية لصيقة بمناصرة القضية الفلسطينية والفكر القومي العربي؛ مما يعد مؤشراً قاطعاً على عمق الصدمة والإنهاك التام الذي أصاب البنية المجتمعية اللبنانية بكافة تلويناتها دون استثناء، ودفعها نحو البحث عن مخارج عملية لإنهاء دوامة الاستنزاف الحاصل.

السابق
المكتب الإعلامي لوزير المالية يوضح حقيقة أرقام مساعدات متضرري الاعتداءات الإسرائيلية
التالي
محرقة الجنوب: غارات ومجازر وإنذارات ونسف مربعات سكنية.. والحزب يوسع نيرانه لعمق الجليل