إيران بين طاحونة التضخم وعجز التأمين: غلاء فلكي للمستلزمات الطبية ونقص الأدوية الحيوية

ايران

يعيش المجتمع الإيراني في الآونة الأخيرة على وقع أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة، تمددت لتبتلع الحقوق الإنسانية الأساسية وفي مقدمتها الحق في الصحة والحياة. وتتجلى أبشع صور هذه الأزمة في القطاع الصحي والدوائي، حيث تحولت أروقة المستشفيات والصيدليات من ملاذات للشفاء إلى ساحات عجز وإحباط مدفوعة بانهيار العملة المحلية والتضخم الجامح. وسط هذه الدوامة، تقف الشرائح الأكثر هشاشة —من ذوي الإعاقة، ومصابي النخاع الشوكي، والأمراض المزمنة والنادرة— وحيدة في مواجهة طاحونة الغلاء التي رفعت أسعار المستلزمات الطبية والأدوية العامة والنوعية بنسب فلكية وصلت إلى 380 في المائة. إنها ليست مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل هي واقع مرير يدفع بالمرضى نحو إيقاف علاجاتهم قسراً أو الارتماء في أحضان الطب التقليدي، مما يضع آلاف الأرواح أمام مقصلة الموت البطيء نتيجة عجز شركات التأمين الشامل، وارتفاع منسوب الدفع المباشر من جيوب المواطنين المنهكة أصلاً.

ذوو الإعاقة وأسرهم.. صراع يومي ضد الفقر وتفاقم الإصابات

أطلقت نائبة رئيس منظمة الرعاية الاجتماعية لشؤون التأهيل في إيران، فاطمة عباسي، صرخة تحذيرية عبر وسائل الإعلام الرسمية، سلطت فيها الضوء على المأساة العميقة التي يعيشها ذوو الإعاقة في البلاد.

وأكدت عباسي في مقابلة حصرية مع وكالة “إيلنا” العمالية، أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة ضاعفت من معاناة هذه الشريحة بشكل غير مسبوق، معلنة أن المنظمة تقدّمت بمقترح رسمي للحكومة يطالب بزيادة تتراوح بين 80 و90 في المائة في بدل رعاية التمريض مقارنة بالعام الماضي.

إلا أن هذه الإنفراجة المقترحة ما زالت تدور في حلقة مفرغة، حيث رهنت عباسي تنفيذ الزيادة بموافقة مجلس الوزراء الإيراني. ورغم مشاركة المنظمة المستمرة في اجتماعات لجنة الموازنة التابعة لمجلس الوزراء لمتابعة هذا الملف، إلا أنها لم تقدم أي توضيحات أو جداول زمنية بشأن موعد دراسة هذا المقترح أو المصادقة عليه، مما يعني استمرار صرف بدل رعاية التمريض وفق المخصصات القديمة والزهيدة المعتمدة للعام الماضي حتى إشعار آخر.

وتنبع خطورة هذا التأخير من حقيقة البنية الاجتماعية لهؤلاء المرضى؛ إذ كشفت عباسي أن أكثر من 80 في المائة من ذوي الإعاقة ينتمون إلى الشرائح والطبقات ذات الدخل المنخفض، ويعيشون مع أسرهم التي باتت عاجزة عن تأمين قوتها اليومي. وشددت على أن دعم هذه العائلات يحظى بأهمية قصوى لمنع تفاقم الإعاقات الجسدية وللحفاظ على الحد الأدنى من جودة الحياة الإنسانية، وهو الأمر الذي يغيب حالياً في ظل غياب التمويل الحكومي الفعال.

أزمة المستلزمات الصحية.. مأساة مصابي النخاع الشوكي

لم تقف حدود الأزمة عند تعثر بدلات التمريض، بل امتدت لتطال أدق تفاصيل الرعاية اليومية للمرضى الملازمين للفراش. وأوضحت نائبة رئيس منظمة الرعاية الاجتماعية أن الأشخاص الذين يضطرون بفعل أوضاعهم الجسدية القاسية واحتياجاتهم الطبية المزمنة إلى استخدام الحفاضات والمواد الصحية بشكل دائم، واجهوا خلال الشهرين الماضيين قفزات سعرية مرعبة في الأسواق، فضلاً عن وجود نقص حاد في المعروض. وأقرت عباسي بأن التقلبات الحادة في السوق وفرض شروط احتكارية غير معلنة من قِبل التجار فرضت ضغوطاً إضافية لا تطاق على كاهل العائلات.

وفي محاولة لترقيع هذا العجز، أشارت عباسي إلى وجود مراسلات لرفع مخصصات المواد الصحية في موازنة العام الحالي من مليون و500 ألف تومان إلى مليونين و500 ألف تومان. لكنها فجّرت مفاجأة بإعلانها أن هذه الموازنة “لم تُبلّغ رسمياً بعد ولم تدخل حيز التنفيذ”. ولم تتردد المسؤولية الإيرانية في الاعتراف الصادم بالحقيقة قائلة:

“حتى هذه المخصصات الجديدة، في حال إقرارها، لا تزال بعيدة بشكل واضح وعاجزة عن تغطية التكلفة الحقيقية للاحتياجات الصحية لشخص مصاب بإصابة في النخاع الشوكي أو ملازم للفراش”.

هذا العجز الرسمي أكده موقع “خبر أونلاين” المحلي، مبيناً أن موجة الغلاء الحالية تعصف مباشرة بحياة نحو 45 ألف شخص يعانون من إصابات مباشرة في النخاع الشوكي في عموم إيران. وأشار التقرير الميداني للموقع إلى أن أسعار المواد والمستلزمات الطبية التي تستهلك يومياً وبشكل دوري لمنع الالتهابات وقرح الفراش —مثل الشاش المعقم، والضمادات المتخصصة، والقساطر، وأكياس القسطرة، والجل الطبي، والمحاقن، والمناديل الورقية، والأدوية المرتبطة بعلاج التقرحات الجلدية— ارتفعت بما لا يقل عن ضعفين إلى ثلاثة أضعاف خلال أسابيع معدودة. وهي أرقام تترجم في الواقع إلى حرمان آلاف المرضى من النظافة والرعاية الأساسية، مما يهدد بتعفن أجسادهم وهم على قيد الحياة.

انهيار شبكات الأمان.. شركات التأمين ترفع كاهلها عن المواطن

في غضون ذلك، وثقت التقارير والرسائل المباشرة الموجهة من داخل الساحة الإيرانية إلى منصات إعلامية مثل “إيران إنترناشيونال”، صرخات احتجاجية لمواطنين يؤكدون أن شبكات التأمين الصحي تحولت إلى واجهات ورقية لا قيمة لها. وأفاد المستهلكون بأن أقساط التأمين التي تلتهم ملايين التومانات من رواتبهم شهرياً، باتت عاجزة عن تغطية تكاليف علاج وعيادات أمراض بسيطة وشائعة مثل الإنفلونزا الموسمية.

لغة الأرقام الصادمة في السوق الدوائي:

وشهدت الشهرين الماضيين طفرة جنونية في أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية وصلت في بعض الأصناف إلى 380 في المائة. ولم يسلم من هذا الجنون حتى الأدوية العامة البسيطة التي تُصرف دون وصفة طبية (OTC)؛ فعلى سبيل المثال:

  • ارتفع سعر شريط بسيط من دواء مسكن تقليدي مثل الأسيتامينوفين من سعره الطبيعي البالغ ألفي تومان، ليُباع في الصيدليات بسعر فلكي يصل إلى 27 ألف تومان.
  • بلغت تكلفة علاج حالة إنفلونزا عادية لمرة واحدة نحو مليون و700 ألف تومان، تتوزع بين 300 ألف تومان كلفة الكشف الطبي (الفيزيت)، وما بين 700 ألف ومليون تومان للأدوية، فيما تبدأ أسعار ومصاريف زرق الحقن الطبية من 400 ألف تومان فما فوق.

قصة تقليص جلسات العلاج الوظيفي:

روى والد طفل مصاب بحالة خاصة مأساة عائلته مع شركات الضمان الاجتماعي؛ فرغم امتلاكه تأميناً صحياً إلزامياً بلغت كلفته والحد الأدنى له 7 ملايين و40 ألف تومان (بينما يبلغ التأمين الاختياري 5 ملايين و500 ألف تومان)، قامت شركة التأمين بتقليص التغطية الممنوحة لجلسات العلاج الوظيفي لابنه بشكل جائر ومفاجئ. فالطفل الذي كان يحتاج ويتلقى أربع جلسات أسبوعياً، بات التأمين يغطي له جلستين فقط في الشهر كاملاً! أما باقي الجلسات الفيديرالية الحيوية لنموه فتُحتسب على الحساب الحر وبسعر 800 ألف تومان للجلسة الواحدة، مما يعني اضطرار الأب إلى دفع نحو 11 مليون تومان شهرياً للعلاج الوظيفي وحده، ناهيك عن مصاريف الحفاضات وأدوية تخطيط الدماغ التي رُفعت عنها التغطية تماماً، في وقت يرزح فيه الأب تحت وطأة البطالة منذ ثمانية أشهر.

هذا التخلي المؤسساتي برره حسين علي شريعتمداري، رئيس لجنة الصحة في البرلمان الإيراني، مرجعاً عجز شركات التأمين عن الإيفاء بوعودها وتغطية كلفة الدواء إلى “الارتفاع الجنوني لأسعار الأدوية المستوردة والمواد الخام”. وأطلق شريعتمداري اعترافاً برلمانياً خطيراً أكد فيه أن نسبة الدفع المباشر والتمويل من جيب المواطن الخاص في القطاع الصحي الإيراني قفزت لتتراوح بين 55 و70 في المائة، مما يعري شعارات مجانية التعليم والطبابة التي ترفعها الدولة.

سوق سوداء ونقص الأدوية الحيوية.. الأمراض النادرة والنفسية في خطر

أدت هذه البيئة المشوهة إلى نشوء نقص حاد في الأسواق الإيرانية، حيث كشف رئيس لجنة الصحة البرلمانية أن هناك ما بين 940 و1000 صنف دواء يعاني من نقص حاد وانقطاع مستمر في الفترات الأخيرة، مشيراً إلى أن أصنافاً واسعة منها تصنف كأدوية حيوية لإنقاذ الحياة ارتفعت أسعار المستورد منها بين ثلاثة إلى خمسة أضعاف.

الهروب نحو المجهول والطب التقليدي

أمام هذا الانسداد الكامل في الأفق الإنساني والطبي، وجد المواطن الإيراني نفسه مسوقاً نحو خيارات يائسة؛ فبين صيدليات فارغة تبيع الوهم بأسعار فلكية، وبين كارتيلات وتجار دواء يتحكمون بقوت وأرواح الناس في السوق السوداء، اندفعت شريحة واسعة من المرضى مرغمة نحو “الطب التقليدي” والتداوي بالأعشاب والوصفات البديلة غير الخاضعة للرقابة العلمية، كبديل رخيص ومتاح لعجزهم المالي. إن الأرقام والشهادات الحية الواردة من طهران وباقي المحافظات تؤكد أن الأمن الصحي الإيراني بات يعيش مرحلة سقوط حر، وأن الصمت الحكومي والبرلماني حيال تغول الأسعار واختفاء الأدوية الحيوية يمثل تخلّياً إنسانياً صريحاً يهدد بتحويل البلاد إلى مقبرة جماعية لمرضاها وذوي الإعاقة فيها.

السابق
محرقة الجنوب: غارات ومجازر وإنذارات ونسف مربعات سكنية.. والحزب يوسع نيرانه لعمق الجليل