لم يعد المشهد الميداني في لبنان مجرد جولة قصف تقليدية، بل تحول إلى سباق محموم بين لغة الدمار وصياغة الدبلوماسية. مع وصول الحصيلة التراكمية للعدوان إلى 3269 شهيداً و9840 جريحاً، واستهداف ممنهج للقطاع الصحي طال 16 مستشفى، وارتفاع وتيرة الغارات إلى نحو 550 هدفاً لحزب الله في أسبوع واحد، يطرح المراقبون تساؤلات جوهرية حول توقيت هذا الجنون العسكري وعلاقته بالمفاوضات المرتقبة، ومدى وجود ضوء أخضر أميركي، فضلاً عن موقع التجاذب الإيراني-الأميركي في هذه المعادلة المعقدة.
مفاوضات تحت النار: تعظيم المكاسب بالحد الأقصى
يرتبط التصعيد الإسرائيلي الأخير ارتباطاً عضوياً بالمفاوضات الرامية للوصول إلى تسوية. في العلوم السياسية والعسكرية، يُعرف هذا السلوك بـ”تصعيد ربع الساعة الأخير” أو “التفاوض تحت النار الشديدة”.
- تعديل الشروط ميدانياً: تحاول تل أبيب عبر توسيع رقعة القصف لتشمل مدينة صور بالكامل ومخيماتها وتحويل مناطق جنوب نهر الزهراني إلى “منطقة قتال”، فرض واقع ديموغرافي وعسكري جديد. الهدف هو الضغط على المفاوض اللبناني ومن خلفه حزب الله للقبول بشروط أمنية قاسية تتعلق بالمنطقة العازلة وآليات الرقابة.
- قيمة المفاوضات مع هذا التصعيد: قد يبدو الحديث عن السلام وسط هذا الدمار سريالياً، لكن قيمته تكمن في أن النار هي التي ترسم الحدود النهائية للاتفاق. الطرفان يدركان أن ركائز الاتفاق القادم تُكتب حالياً بدماء الضحايا ورماد البلدات وقدرة الصواريخ والمسيّرات على الاستمرار في الجانب الآخر.
التغطية الأميركية: ضوء أخضر أم إشعال للمنطقة؟
لا يمكن فصل هذا الهجوم الواسع عن الموقف الأميركي. إدارة الرئيس دونالد ترامب تتحرك بخطوط متوازية تحمل الكثير من البراغماتية والضغط:
- تغطية عسكرية مشروطة بالتسوية: تمنح واشنطن إسرائيل السقف الزمني والغطاء الدبلوماسي لإضعاف البنية العسكرية لحزب الله، معتبرة أن ذلك يخدم ترتيبات “الشرق الأوسط الجديد”. ومع ذلك، تضغط الإدارة الأميركية لعدم تحويل الحرب إلى استنزاف إقليمي غير مسقوف قد يطيح باستقرار المنطقة.
- رسائل التهدئة غير المباشرة: في مفارقة لافتة تعكس قراءة واشنطن لخطورة الأوضاع، جاء قرار تمديد وضع الحماية المؤقتة (TPS) للبنانيين في الولايات المتحدة حتى نوفمبر 2026، ليحمي نحو 11 ألف لبناني من الترحيل. هذا القرار، الذي جاء بتوقيع وزير الأمن الداخلي ماركوين مولين مستنداً إلى “الأوضاع الاستثنائية والتصعيد العابر للحدود المرتبط بالصراع مع إيران”، يعكس اعترافاً أميركياً مبطناً بأن لبنان يمر بمرحلة خطيرة ومطولة من عدم الاستقرار، وأن حلفاء واشنطن الإقليميين يشاركون في رسم هذا المشهد القاتم.
المحور الإيراني-الأميركي: صفقة تلوح في الأفق؟
تتقاطع الحرب في لبنان بشكل مباشر مع الحسابات الإستراتيجية لطهران. ثمة قراءة ترى في التصعيد الإسرائيلي رداً مباشراً على الإصرار الإيراني لربط جبهات المساندة وتأمين وقف مشرف للحرب لحفظ بنية حزب الله الحاضنة والسياسية.
لكن الكواليس الدبلوماسية تشير إلى أبعاد أخرى؛ فالحديث المتنامي عن خطوط اتصال مفتوحة واتفاق قريب بين الولايات المتحدة وطهران يعيد ترتيب الأولويات. بالنسبة لإيران، فإن الحفاظ على المكتسبات الكبرى ونظامها الإقليمي قد يتطلب القبول بتسوية واقعية في لبنان تفصل الجبهات وتمنح حزب الله فرصة “التقاط الأنفاس” وإعادة التموضع سياسياً وداخلياً، مقابل تخفيف العقوبات وتفاهمات أمنية أوسع مع إدارة ترامب. لذلك، فإن التصعيد الحالي هو محاولة إسرائيلية لقطع الطريق على أي صفقة أميركية-إيرانية قد لا تلبي طموحات تل أبيب في القضاء الكامل على التهديد الشمالي.
السيناريوهات المحتملة للوضع في لبنان
أمام هذا التشابك المعقد بين الميدان والسياسة، تتأرجح الساحة اللبنانية بين ثلاثة سيناريوهات أساسية:
1. سيناريو “اتفاق الربع ساعة الأخير” (الأكثر ترجيحاً)
أن يؤدي هذا التصعيد العنيف إلى ذروة الانفجار التي تسبق الحل، بحيث تكتفي إسرائيل بما حققته من تدمير للبنية التحتية والتهجير القسري، ويقبل حزب الله بصيغة معدلة للقرار 1701 تتضمن تراجعاً جغرافياً معيناً وإشرافاً دولياً أعمق، ليتم إعلان وقف إطلاق النار برعاية أميركية-فرنسية خلال الأسابيع القادمة.
2. سيناريو حرب الاستنزاف المفتوحة
إذا أصرت إسرائيل على شروط تعجيزية (كحرية الحركة الجوية والبرية المطلقة داخل الأراضي اللبنانية)، ورفض الحزب والتشاور اللبناني هذه الشروط، فإن البلاد ستنزلق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. هذا السيناريو يعني استمرار تفريغ الجنوب والبقاع والضاحية، وزيادة الضغط الاقتصادي والديموغرافي على بقية المناطق اللبنانية، مما يهدد بانهيار شامل لمؤسسات الدولة.
3. سيناريو التدحرج نحو المواجهة الإقليمية
وهو السيناريو الأخطر، ويحدث في حال تجاوز القصف الإسرائيلي الخطوط الحمر المتبقية (استهداف مباشر ومكثف للبنى التحتية الرسمية للدولة، أو تصفية قيادات الصف الأول الرسمية المتبقية)، مما قد يدفع طهران إلى التدخل المباشر لحماية ما تبقى من أذرعها الإستراتيجية، وهو ما سيفجر مواجهة إقليمية واسعة تطيح بكل مساعي التفاوض الأميركية.
وفي الخلاصة تؤكد التحولات الراهنة أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم في ميدان المعارك وحده، بل في كيفية استثمار القوة العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية على طاولات التفاوض. وفي ظل الصراعات التي تشهدها المنطقة، يبقى المدنيون والبنى التحتية هم الحلقة الأضعف التي تدفع الفاتورة الأكبر للتوازنات الإقليمية والدولية. إن أي تسوية قادمة لن تُقاس بنصوص الاتفاقيات الفضفاضة أو بالشعارات المرفوعة، بل بقدرتها الواقعية على إعادة الاستقرار وبناء الأوطان على أسس متينة تحمي الإنسان وتضمن له العيش بأمان كرامة.

