المفاوضات بين مطرقة الشروط الإسرائيلية وسندان ازدواجية السلاح: هل يقتنص لبنان الفرصة الأخيرة؟

المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية

في ظل انسداد الأفق السياسي وتصاعد العمليات الميدانية على الجبهة الجنوبية، يمر لبنان بمنعطف مصيري تتداخل فيه جولات التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، بالتعقيدات والانقسامات الداخلية الحادة. وفي وقت تحظى فيه المقاربة الرسمية لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بدعم عربي ودولي لافت لإنقاذ البلاد، تعود إشكالية الاستئثار بقرار السلم والحرب وازدواجية السلاح إلى الواجهة، لتشكل العائق الأبرز أمام استعادة الشرعية اللبنانية وثقة المجتمع الدولي، وسط كباش سياسي وإعلامي محتدم يعكس عمق الشرخ بين منطق الدولة ومنطق الدويلة.

في هذا السياق كشفت مصادر ديبلوماسية وسياسية متعددة عن معطيات جديدة تحيط بمسار المفاوضات المباشرة الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، مسلطة الضوء على حجم الدعم الدولي والمحلي المقابل لخطوط حمر وخلافات داخلية حادة مع “حزب الله”، تهدد بفرملة جهود الإنقاذ.

دعم ديبلوماسي للمقاربة الرئاسية مقابل عوائق ميدانية

وأفاد مصدر ديبلوماسي غربي مطّلع لـ«الجمهورية» بأن المقاربة التي يقودها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام خلال جولات التفاوض المباشر حظيت بدعم أوروبي وعربي متقدم. وتنطلق هذه المقاربة من ثوابت واضحة:

  • تثبيت وقف إطلاق النار وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية.
  • إعادة تحريك المسار الاقتصادي والمالي ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة جديدة.

إلا أن المصدر أشار إلى أن المعوقات الميدانية من جانب إسرائيل و«حزب الله» تُضعف فرص النجاح؛ إذ تسعى تل أبيب لترجمة تفوقها الحربي سياسياً، في حين يرفض الحزب التخلي عن ارتباط قراراته بدولة خارجية (إيران) ويريدها أن تفاوض عنه وعن كل لبنان.

وأكد المصدر أن المناخ الدولي يرى في الحراك الحالي لبعبدا والسرايا الحكومية “الفرصة الأخيرة” لاستعادة ثقة المجتمع الدولي والمؤسسات المانحة، مستنداً إلى إشارات أميركية إيجابية حول المحادثات الجارية.

في المقابل، نقلت الصحيفة عن مصدر سياسي عربي مواكب استياء الأوساط الديبلوماسية من حملات التخوين والإهانات الصادرة عن نواب وشخصيات في «حزب الله» ضد مسار التفاوض، معتبرة إياها استهدافاً مباشراً لمقام الرئاستين الأولى والثالثة ومحاولة لتعطيل عودة لبنان إلى الحاضنة العربية والدولية، حيث بات المجتمع الدولي يتعامل مع خطاب الحزب بوصفه عبئاً سياسياً وأمنياً يعطل الإنقاذ ويكرس ازدواجية القرار والسلاح.

اتصالات بعبدا ومحاولات الحزب فرض شروط ميدانية

على المقلب الآخر، حلت الهدنة وخط الجنوب في صدارة اهتمامات قصر بعبدا. ووفقاً لمعلومات صحيفة «نداء الوطن»، ركزت اتصالات رئيس الجمهورية مع واشنطن على ملف وقف إطلاق النار، وسط ترقب لبناني للمساعي الأميركية.

ورغم أن المعطيات الميدانية لا توحي بوقف قريب للنار بسبب استمرار العمليات العسكرية المتبادلة وتصعيد تل أبيب، فإن مفاوضات البنتاغون ستضع هذا البند كأولوية قصوى، على أن تكون جولة 2 حزيران محطة أساسية لطرحه مجدداً في حال لم تصل المساعي الراهنة لنتيجة.

داخلياً، يصطدم هذا المسار بمحاولة «حزب الله» رفع سقف شروطه السياسية والميدانية. وتؤكد مصادر مطلعة للصحيفة أن أبواب القصر الجمهوري لم تقفل يوماً بوجه أحد، وتعليقاً على إعلان النائب حسن فضل الله عن توجه للتواصل مع رئيس الجمهورية، علقت المصادر: “فليأتِ فضل الله والكتلة ليقولا ما لديهما، والرئيس عون ثابت على مواقفه بمطالبة وقف النار وتحرير الأرض والأسرى وعودة المهجرين”.

وانتقد مصدر سياسي رسمي عبر الصحيفة التناقض المعياري في خطاب فضل الله، الذي يطالب الدولة بعدم اتخاذ القرارات منفردة بحجة “الشراكة”، بينما يمنح فريقه حق الاستئثار بقرار الحرب والسلم وربط لبنان بحسابات إقليمية دون تفويض، متسائلاً عن الجهة التي ستتحمل كلفة النزوح والدمار والشلل الاقتصادي، معتبراً كلام الحزب محاولة لرسم خطوط حمراء وتحديد هوية الأعداء والعملاء بشكل أحادي.

اتهامات للحزب بالتناقض تجاه ملفات التفاوض

وفي سياق متصل، برز ملف العفو عن المبعدين كعنصر تفجير إضافي، حيث جزم النائب حسن فضل الله برفض الحزب المطلق لعودة أو إعفاء من أسماهم بـ”العملاء من المبعدين الذين يقاتلون إلى جانب الجيش الإسرائيلي”، مهدداً بمواجهتهم عسكرياً.

وتعليقاً على ذلك، وصف مصدر وزاري مقرب من الرئاسة اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» موقف «حزب الله» الرافض للتفاوض المباشر بـ”المستغرق والمتناقض الواضح”، معتبراً أن “ما هو مسموح لإيران يبدو ممنوعاً على لبنان”.

وشدد المصدر على أن الدولة اللبنانية تفاوض حصراً على ملفات سيادية بحتة لمعالجة تداعيات الاحتلال الإسرائيلي والانسحاب من الأراضي المحتلة انطلاقاً من المصلحة الوطنية، وهو عرف متبع لدى كل الدول التي تحتل أراضيها، مؤكداً على المبدأ الثابت للرئيس عون والحكومة منذ البداية: “لا أحد يفاوض بالنيابة عن لبنان”.

أمام هذا المشهد يبدو أن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم بين منطقين؛ منطق يسعى جاداً لاستعادة سيادة الدولة وحصر القرارات المصيرية بمؤسساتها الدستورية كسبيل وحيد للإنقاذ المالي والديبلوماسي، ومنطق آخر يصر على إبقاء البلاد ساحة مفتوحة ورهينة للحسابات الإقليمية.

ومع اقتراب المواعيد التفاوضية المفصلية في حزيران المقبل، يبقى السؤال المعلق: هل تنجح الرئاستان الأولى والثالثة في اقتناص هذه “الفرصة الأخيرة” وإعادة تثبيت الشرعية، أم أن فائض القوة وشروط الميدان سيطيحان بما تبقى من مقومات الدولة ويقودان البلاد نحو المجهول؟

السابق
أسرار الصحف المحلية الصادرة اليوم الأربعاء 20 أيـّار 2026
التالي
سلام: حصرية السلاح بيد الدولة مسار لا تراجع عنه والتفاوض باب الحل لإنهاء الحرب