عاد شبح “حرب الإسناد” ليخيّم فوق لبنان مجددًا، مع تصاعد التهديدات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، وتزايد الحديث عن احتمال انهيار مسار المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران. وفي ظل التصريحات التصعيدية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تتحدث عن فشل المفاوضات وإمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري، تتجه الأنظار إلى “حزب الله” وما إذا كان سيعيد فتح الجبهة الجنوبية دعمًا لإيران كما فعل خلال حرب غزة.
المخاوف اللبنانية هذه المرة تبدو أكثر عمقًا وخطورة، لأن البلاد لم تخرج أصلًا من تداعيات الحرب الأخيرة، لا اقتصاديًا ولا سياسيًا ولا أمنيًا. فالجبهة الجنوبية ما تزال هشة بعد تمديد الهدنة لمدة 45 يوما من قبل المفاوضين اللبنانيين والاسرائيليين قبل ايام في واشنطن، والقرى الحدودية تعيش حالة نزوح جزئي ودمار واسع، فيما تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن تحمّل حرب شاملة جديدة تطال العاصمة بيروت قد تكون أشدّ تدميرًا واتساعًا.
ضغوط دولية ورسائل داخلية
بحسب المعطيات السياسية المتداولة، تكثّفت الاتصالات الدولية في الأيام الماضية لمنع انزلاق لبنان إلى مواجهة جديدة. وتضغط عواصم غربية وعربية باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار جنوبًا، بالتوازي مع محاولات داخلية للحصول على موقف واضح من “حزب الله” بعدم الانخراط في أي حرب إسناد جديدة إذا اندلعت مواجهة أميركية ـ إسرائيلية مع إيران.
غير أن الضبابية لا تزال تحيط بموقف الحزب. فالحزب لم يعلن التزامًا صريحًا بالنأي بالنفس عن أي حرب مقبلة، كما أن خطابه السياسي والعقائدي يقوم أساسًا على وحدة الساحات وربط جبهات المنطقة بالمواجهة الكبرى مع إسرائيل والولايات المتحدة. وهذا ما يثير قلقًا داخليًا واسعًا من أن يتحول لبنان مجددًا إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
ماذا لو فشلت المفاوضات؟
السيناريو الأخطر يتمثل في انهيار كامل للمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، وانتقال التصعيد إلى مواجهة عسكرية مباشرة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية أو البنية العسكرية للحرس الثوري. في هذه الحالة، سيكون السؤال الأساسي: هل تكتفي إيران بالرد المباشر، أم تلجأ إلى أذرعها الإقليمية، وفي مقدمتها “حزب الله”؟
كثير من التقديرات الإسرائيلية تعتبر أن الحزب يشكل “ورقة الردع” الأساسية لإيران، وأن أي حرب واسعة ضد طهران ستقابل على الأرجح بمحاولة إشعال الجبهة اللبنانية لإغراق إسرائيل بحرب متعددة الجبهات. لكن الوضع الحالي يختلف عن السنوات الماضية؛ فالحزب خرج من المواجهة الأخيرة مثقلًا بالخسائر البشرية والعسكرية، كما أن البيئة اللبنانية الحاضنة تعيش إنهاكًا اقتصاديًا واجتماعيًا غير مسبوق.
الداخل اللبناني يرفض الحرب
في المقابل، تتزايد الأصوات اللبنانية الرافضة لتحويل البلاد إلى منصة إسناد إقليمية. فالقوى السياسية المعارضة تعتبر أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة اللبنانية وحدها، لا بيد تنظيم مرتبط بالمحور الإيراني. كما أن جزءًا كبيرًا من اللبنانيين يرى أن أي حرب جديدة ستعني القضاء على ما تبقى من الاقتصاد والبنية التحتية وفرص الاستقرار.
وتخشى الأوساط الاقتصادية والمالية من أن يؤدي أي تصعيد إلى انهيار إضافي في سعر العملة، وتعطيل القطاعات الانتاجية، وعودة العزلة العربية والدولية عن لبنان، في وقت تحاول الحكومة استعادة الحد الأدنى من الثقة الخارجية.
بين الردع والانفجار
حتى اللحظة، يبدو أن الجميع يحاول تجنب الانفجار الكبير، لكن المنطقة تقف فوق برميل بارود سياسي وعسكري. فإسرائيل تواصل التهديد، وإيران تلوّح بالرد، وواشنطن ترفع سقف الضغوط، فيما يبقى لبنان الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للاشتعال.
ويبقى السؤال الذي يقلق اللبنانيين: هل ينجح الضغط الدولي في إبقاء “حزب الله” خارج أي حرب مقبلة، أم أن منطق “الإسناد” سيعود ليفرض نفسه مجددًا، ولو على حساب ما تبقى من لبنان؟

