بلاغة الفناء: حين يعيد محمود قماطي تعريف الهزيمة كعقيدة خارج ميزان السياسة والتاريخ

محمود قماطي
الأئمة بعد كربلاء في القراءة التاريخية غير المؤدلجة لم يحوّلوا الحدث إلى برنامج دائم للمواجهة، بل أعادوا وضعه في سياقه الأخلاقي والتاريخي، ومنعوا تحويله إلى ماكينة استنساخ ثوري مفتوح،بهذا المعنى، كانت كربلاء بداية سؤال، لا نهاية نموذج.

“اتخذوا هذا الليل جملاً” بهذا النداء، المنسوب للامام الحسين بن علي عليه السلام تفتح كربلاء لا كفصل في سجل الدم، بل كحدٍّ أخلاقيٍّ حادّ،لحظة تُستعاد فيها حرية الانسحاب بوصفها جوهر الفعل، لا بوصفها نقيضه.

لا إكراه في البقاء، ولا استدراجٌ إلى الفناء، ولا تحويلٌ للجماعة إلى مادة تضحية،إنها واقعة تُبقي للإنسان حقّه الأخير(أن لا يُستعمل ضدّ نفسه.

من هنا تبدأ المفارقة التي يشتغل عليها الخطاب السياسي المعاصر، كما يتجلى في بنية حزب الله، حيث لا تُستعاد كربلاء كحدث، بل تُعاد هندستها كمنظومة تفسير مغلقة.

لا تعود الواقعة سؤالًا أخلاقيًا، بل تتحول إلى (نهج)أي إلى جهاز تأويلي يُعيد ترتيب السياسة على قاعدة واحدة(الاستمرار بوصفه قيمة مطلقة، بغضّ النظر عن الكلفة، وبمعزل عن النتيجة).

في هذا السياق، يأتي تصريح نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله الحاج محمود قماطي ليبلغ ذروة هذا الانزياح المفهومي: (لم يعد المعيار الانتصار أو الهزيمة، بل عدم الاستسلام بصرف النظر عن النهاية)ليست الجملة توصيفًا للواقع، بل إعادة تعريف للسياسة نفسها، إذ تُسحب السياسة من فضائها الطبيعي—حيث تُقاس الأفعال بنتائجها—وتُلقى في فضاء رمزي جديد، حيث يُستبدل معيار النتيجة بمعيار الدوام ويُستبدل الحساب بالتجلي، والمحصلة بالنية المستمرة للفعل.

حين تُضاف إلى ذلك صيغة (القتال حتى آخر مجاهد وآخر قطعة سلاح) فإننا لا نكون أمام خطاب صمود، بل أمام اقتصاد مفتوح للفناء(لا سقف للتضحية ولا نقطة توقف للمراجعة ولا لحظة يمكن فيها القول إن الفعل السياسي قد بلغ حدّه أو استنفد منطقه في هذا النموذج، لا تُدار الحرب، بل يُعاد إنتاجها كحالة وجود.

إقرأ أيضا: غزلٌ متبادل بين المنتصرَين نعيم قاسم وعلي حجازي… وعلي عمار حارس بوابة الكرامة

غير أن الإحالة إلى كربلاء في هذا السياق تكشف مفارقة أعمق من مجرد التوظيف الرمزي،فـمعركة كربلاء في سياقها التاريخي، لم تكن مشروعًا لتعميم الفناء، ولا نموذجًا لإدارة مجتمع على قاعدة الاستنزاف الدائم. كانت لحظة محدودة محكومة بسياقها، لم تُحوَّل فيها التضحيات إلى معيار يُفرض على الآخرين، ولا إلى نظام يُعاد إنتاجه بلا نهاية. أما في التوظيف الحديث فتتحول اللحظة إلى بنية دائمة ويُعاد إنتاجها كأفق لا ينتهي، لا كحدث انتهى.

الأكثر دقة هنا هو انقلاب موقع المعنى(بدل أن تكون كربلاء مرآة تُقاس بها الأخلاق، تُصبح قالبًا يُصبّ فيه الحاضر،وبهذا المعنى لا يعود (النهج) استلهامًا، بل يصبح إلغاء للفوارق بين الأزمنة، حيث يُختزل التاريخ إلى نموذج جاهز للاستخدام السياسي، لا إلى مادة للتفكير أو النقد.

ومن داخل هذا التحول، يصبح استحضار كربلاء ليس استحضارًا للحرية التي وُلدت في قلبها بل لإعادة إنتاج منطق الفناء بوصفه معيارًا.

وهنا تحديدًا تتكثف خطورة الخطاب حين يُقال إن (عدم الاستسلام هو الانتصار)تُلغى إمكانية قياس السياسة بمعاييرها الأساسية. فلا انتصار يُقاس ولا هزيمة تُعترف، بل حالة مستمرة تُعيد تعريف نفسها كلما اصطدمت بالواقع.

في هذا الإطار، لا يأتي تصريح قماطي كحادثة منفصلة بل كتكثيف لبنية خطابية ترى في الاستمرار قيمة تتجاوز النتائج، وفي الفناء شكلًا من أشكال المعنى.

غير أن هذا التكثيف نفسه يكشف التناقض الداخلي إذ كيف يمكن لمشروع سياسي أن يستمر إذا ألغى معيار النتيجة، وكيف يمكن لمجتمع أن يُدار إذا أُعيد تعريف الخسارة كجزء من الانتصار؟

الأئمة بعد كربلاء في القراءة التاريخية غير المؤدلجة لم يحوّلوا الحدث إلى برنامج دائم للمواجهة، بل أعادوا وضعه في سياقه الأخلاقي والتاريخي، ومنعوا تحويله إلى ماكينة استنساخ ثوري مفتوح،بهذا المعنى، كانت كربلاء بداية سؤال، لا نهاية نموذج.

أما اليوم، فالسردية تسير في الاتجاه المعاكس(عدم الاستسلام) يُرفع إلى مرتبة الانتصار النهائي، حتى لو أدى إلى تفريغ المجتمع من قدرته على إعادة تعريف مصالحه، أو حتى على حماية ذاته.

وهنا يتبدّى التحول الأخطر، (السياسة تُختزل إلى طقس، والنتائج تُستبدل بالرموز، والواقع يُعاد تأويله حتى يفقد مقاومته.

وفي قلب هذا البناء، تتحول (كربلاء العصر)من استعارة إلى نظام إدراك كامل: الدمار يُعاد قراءته كدليل، والنزوح كمرحلة، والخسارة كاختبار.

وكل ما ينقض هذا المنطق يُستبعد بوصفه خارجًا عن (النهج)،لكن ما لا يُقال في هذا كله هو الثمن(من يدفع كلفة هذا المعنى حين يتحول إلى واقع؟

بين كربلاء التي فتحت باب الاختيار، وكربلاء التي تُستخدم لإغلاق باب السؤال، تتسع المسافة إلى حدّ تصبح فيه السياسة نفسها في خطر التحول إلى مجرّد بلاغة للفناء..

بلاغة تبدو رفيعة، لكنها تُخفي تحتها انهيار معيار الحقيقة الوحيد الذي لا يمكن استبداله(ما الذي يبقى للناس في نهاية الطريق……

السابق
في ذكرى 6 أيار.. وزير الإعلام المحامي بول مرقص يوجه تحية فخر لشهداء الصحافة: «الحقيقة لا تساوم»
التالي
حفرة الحاروفي