في جمهورية قرّرت فيها جماعة مسلحة بجرأة نادرة أن تفصل بين الواقع والنصّ كما يُفصل التيار الكهربائي عن الأحياء، لم تعد الأخبار تُقرأ بل تُؤلَّف، ولم تعد الوقائع تُحصى بل تُحرَّر لغويًا قبل أن تُفهم.
هنا، حيث يمكن لبيان واحد أن يعيد إعمار ما هدمته حرب كاملة (على الورق طبعا) وحيث يُقاس النصر بعدد المرّات التي قيل فيها (انتصرنا)لا بعدد القرى التي ما زالت على الخريطة،في هذا المسرح الكبير، المواطن ليس ضحية ولا شاهدًا، بل جمهورٌ مُلزم بالتصفيق، حتى لو كان العرض يُقام فوق أنقاض منزله.
في هذا الشرق الذي يصدّر البلاغة ويستورد الواقع،الهزيمة ليست واقعا عسكريا بل خللا لغويا ،مجرّد سوء اختيار في المفردات. لذلك يظهر علينا الشيخ نعيم قاسم لا ليشرح ما جرى، بل ليعيد تعريفه،إن رأيت قريةً مهدّمة فأنت متشائم، وإن رأيتها (دليلًا على صمودها تحت القصف) فأنت وطني من الطراز الرفيع.
الركام (صمود) النزوح(تموضع) والغياب المؤقّت للأرض (حضورٌ رمزي لا يُرى إلا بالبصيرة السياسية).
يحدّثنا عن مرحلة خطيرة، وكأنّ لبنان كان قبلها في نزهة على ضفاف الاستقرار، ثم يبني فوق الركام سردية مُحكَمة(العدو يتكالب، أميركا تُدير، ونحن نُبدع في الثبات) والثبات هنا مفهوم ثوري جديد(أن تبقى في مكانك بينما كل شيء حولك ينهار، وأن تعتبر ذلك إنجازا استراتيجيا لا يُضاهى.
فالحركة خيانة، والنجاة الفردية نزعة انهزامية، أمّا البقاء تحت السقف الذي سقط نصفه فهو أعلى درجات الالتزام الوطني.
وفي قلب هذه الملحمة، يولد المفهوم الأعظم(الصمود )كفلسفة وجودية ،أن تبقى حيث أنت مهما تغيّر كل شيء، وأن تعتبر عدم القدرة على التغيير قمة السيطرة عليه.
الحركة خيانة، والنجاة الفردية نزعة انهزامية، أمّا البقاء تحت السقف الذي سقط نصفه فهو أعلى درجات الالتزام الوطني.
التفاوض يخدم بنيامين نتنياهو، يلمّع صورته، ينعش حملاته
ثم نبلغ ذروة العبقرية السياسية(معادلة التحرير) العدو يريد الأرض، والمقاومة تريد تحريرها، والنتيجة علاقة معقّدة بين طرفين لا يلتقيان… الأرض في وادٍ، والتحرير في وادٍ آخر، وبينهما خطابٌ يُقيم دولةً مستقلة عن الوقائع.
ومع ذلك، يُعلن النصر بثقة من افتتح قارة لا من يبحث عن إشارة شبكة ليطمئن على بيته.
أما التفاوض، فقد رُقّي فجأة من أداة سياسية إلى خطيئة كونية (تنازل مجاني) وكأنّ ما سبق كان صفقة استثمارية ناجحة بعائدات سيادية وفوائد مركّبة.
التفاوض يخدم بنيامين نتنياهو، يلمّع صورته، ينعش حملاته… بينما الاستمرار في هذا العرض المفتوح لا يخدم إلا النصوص نفسها، تلك التي تعيش على إطالة أمد المأساة كما يعيش المسرح على استمرار العرض.
وعند هذه النقطة، يدخل الشاعر الرسمي لزمن الانتصارات النظرية، المنتصر ابدا امين سر اللقاء الوطني و رئيس حزب الراية الوطني(الناشىء بُعَيد سقوط بشار و حل حزب البعث السوري الحائز على اكبر نسبة أعضاء منتسبين في تاريخ الأحزاب )علي حجازي، ليحوّل السياسة إلى ديوان مديح مُعاصر،لا يعلّق على الوقائع، بل ليزخرفها: (قيادة شجاعة، مرحلة دقيقة، مسار عملي… )
نص لو قرأته بلا سياق لظننته إعلانًا عن منتجع فاخر، لا بيانا في بلد يقتصد حتى في أحلامه.
الغزل هنا ليس مجاملة، بل ضرورة إنشائية(كلما تدهور الواقع، ارتفعت حرارة اللغة، كأنّ الكلمات تحاول تدفئة ما عجزت السياسة عن حمايته.
لقد أتى هذا الغزل عبر تغريدة على منصة x ، وهذا ما حرمنا رؤية هيبة إصبعه المرفوع وذاك العنفوان الصادر من صوته ونظره عينيه المليئة بالثقة والتعوّد.
ثم، في لحظة تستحق جائزة أفضل توقيت ساخر، يظهر علي عمار حارسا لبوابة الكرامة، يصدّ عواصف التدخل الأميركي ببيانات حازمة، في مشهد تُصبح فيه الكرامة كائنا انتقائيًا(لا يتأثّر بالخراب، لكنه يتحسّس فورًا من تصريح دبلوماسي.
التدخل مرفوض… إلا إذا جاء بلهجة مألوفة، عندها يتحوّل من انتهاك للسيادة إلى (تعاون أخوي) بغطاء لغوي أنيق.
المشهد برمّته أشبه بأوبرا سياسية مكتوبة بلغةٍ فخمة وموسيقى حزينة(انتصارات تُعلن من خارج الخرائط، سيادة تُدار من خلف الستار، وكرامة تُرفع كشعار أكثر مما تُعاش كواقع.
المواطن، هذا الكائن الذي يظهر في الكواليس فقط، مطلوبٌ منه أن يؤمن بالسردية، أن يصفّق عند اللزوم، وأن يُحسن الترجمة،لا تقل خسارة، قل (إعادة تموضع استراتيجي للمعاناة).
المواطن، هذا الكائن الذي يظهر في الكواليس فقط، مطلوبٌ منه أن يؤمن بالسردية، أن يصفّق عند اللزوم،
وفي النهاية، تصل إلى الخلاصة الذهبية،لسنا أمام أزمة، بل أمام مدرسة فكرية مكتملة الأركان تُعيد تعريف المفاهيم.
الهزيمة؟ (سوء تعبير)،الخسارة؟ (قراءة سطحية) ،الواقع؟ (تفصيل قابل للتأويل. وحده الخطاب يبقى… ثابتًا، صامدًا، منتصرًا… إلى درجة أنّه لم يعد بحاجة إلى أرضٍ يقف عليها، بل يكفيه منبرٌ جيّد وبعض التصفيق…..

