المقاومة بالدبلوماسية: عندما تصبح «المكابرة العسكرية» عبئًا على الوطن

المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية
الحقيقة المرة التي يجب امتلاك الشجاعة للاعتراف بها هي أن "المقاومة العسكرية" بصيغتها الحالية قد فقدت قدرتها على الردع. الردع، بمفهومه الاستراتيجي، هو منع العدو من القيام بفعل عدواني خشية الرد. ولكن، حين تُسوى قرى مثل بنت جبيل وحولا وعيناثا بالأرض، وحين تنفذ إسرائيل "نموذج غزة" في عمق أراضينا بدمار ممنهج وتفجيرات موجهة، فهذا يعني بوضوح أن "سلاح الإسناد" لم يعد يحمي بيتاً ولم يمنع عدواناً.

لم يعد من الجائز، ونحن نرقب دمار قرى الجنوب اللبناني وتحولها إلى ركام وتلال من الرماد، أن نوارب في قول الحقيقة أو نتلطى خلف شعارات “خشبية” أثبتت الوقائع الميدانية عقمها. إن السجال الدائر اليوم في أروقة الصالونات السياسية اللبنانية، وفي نفوس مئات آلاف النازحين، يتجاوز حدود الانقسام التقليدي؛ إنه سؤال الوجود: أي “مقاومة” نحتاج لإنقاذ ما تبقى من لبنان؟ هل هي المقاومة العسكرية التي تخوض حرب استنزاف خاسرة، أم المقاومة السياسية التي تملك وحدها مفاتيح الحل والإنقاذ؟

الحقيقة المرة التي يجب امتلاك الشجاعة للاعتراف بها هي أن “المقاومة العسكرية” بصيغتها الحالية قد فقدت قدرتها على الردع.

الردع، بمفهومه الاستراتيجي، هو منع العدو من القيام بفعل عدواني خشية الرد. ولكن، حين تُسوى قرى مثل بنت جبيل وحولا وعيناثا بالأرض، وحين تنفذ إسرائيل “نموذج غزة” في عمق أراضينا بدمار ممنهج وتفجيرات موجهة، فهذا يعني بوضوح أن “سلاح الإسناد” لم يعد يحمي بيتاً ولم يمنع عدواناً. بل على العكس، تحول هذا الخيار إلى ذريعة يستغلها العدو لتنفيذ أجندة “الأرض المحروقة” وإنشاء مناطق عازلة، في ظل اختلال موازين قوى لا يرحم.

إن ما نشهده اليوم من إصرار على الاستمرار في المواجهة العسكرية ليس إلا نوعاً من “المكابرة” التي تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية.

لم يعد خافياً على أحد أن هذه الجبهة باتت رهينة لملفات إقليمية كبرى، وتحديداً التجاذبات بين طهران وواشنطن. فبينما يصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نفسه تحركات الحرس الثوري بـ”الجنون” ويخشى من انهيار بلاده، نجد من يريد للبنان أن يظل “ساحة” للتضحية بآخر ما يملك من مقومات لصالح طاولات مفاوضات بعيدة. هل يُعقل أن يدفع اللبناني ثمن “ازدواجية القرار” في طهران دماراً في الجنوب ونزوحاً في بيروت؟

إقرأ أيضا: غزلٌ متبادل بين المنتصرَين نعيم قاسم وعلي حجازي… وعلي عمار حارس بوابة الكرامة

في المقابل، تبرز “المقاومة السياسية” لا كخيار “ضعيف” أو استسلامي، بل كضرورة وطنية قصوى ووحيدة. إن لجوء لبنان الرسمي إلى التفاوض والدبلوماسية هو التعبير الأسمى عن المسؤولية تجاه الشعب. المقاومة السياسية تعني القدرة على انتزاع وقف لإطلاق النار عبر الضغط الدولي، وهي تعني حماية ما تبقى من نسيجنا الوطني من خطر الفتنة التي تطل برأسها مع كل خطاب تحريضي أو تعرض للرموز الدينية.

إن “لبنان الرسمي” ومن خلفه فريق واسع من اللبنانيين السياديين، يدركون أن منطق “المواجهة والصدام” قد استنفد أغراضه وبات يستنزف دماء الشباب وثروات الوطن في حرب لا أفق لها.

الإنقاذ يبدأ من هنا: من طاولة المفاوضات التي تعيد الاعتبار للقرار 1701 وللدستور اللبناني، ومن استعادة “قرار الحرب والسلم” إلى كنف الدولة ومؤسساتها.

الاستمرار في منطق “العسكرة” في وقت ينهار فيه الهيكل اللبناني هو انتحار سياسي. إن صرخة النائب ملحم خلف بضرورة العودة للدستور، ونداءات المرجعيات الروحية لعقد قمة عاجلة تثبت العيش المشترك، هي “المقاومة الحقيقية” التي تحفظ الوحدة وتمنع التلاشي.

إن ساعة الامتحان قد دقت. لم يعد الوقت ملكاً للمغامرين أو أصحاب البيانات الفضفاضة. إنقاذ لبنان يكمن في فك ارتباطه بجنون المحاور، وفي الذهاب فوراً نحو “منطق الإنقاذ الدبلوماسي”. الدبلوماسية هي السلاح الذي يحمي البيوت من الهدم والناس من النزوح، أما الرهان على صواريخ لم تعد تردع طائرة “أباتشي” أو تمنع نسف حي سكني، فهو رهان على المجهول في وقت لم يعد فيه لبنان يحتمل أي مقامرة جديدة.

السابق
لبنان يتمسك بخيار التفاوض.. وإسرائيل تدفع نحو توسيع بنك الأهداف
التالي
سجال أمني حاد.. دمشق تعلن تفكيك خلية لـ«حزب الله» والحزب ينفي: «اتهامات باطلة»