ثمة من أمضى حياته السياسية والثقافية أسيرًا لفكرة واحدة اسمها “المقاومة”. دار حولها، وأعاد إنتاجها في كل الأزمنة، وألبسها أثوابًا قومية حينًا وماركسية حينًا آخر، من غير أن يلحظ أن التاريخ لا يثبت على حال، وأن المفاهيم التي لا تتجدد تتحول، مع الزمن، إلى نقيض نفسها. فما بدأ، في الوعي العربي، بوصفه وعدًا بالتحرير، انتهى، في كثير من تجلياته، إلى شرعنة السلاح خارج الدولة، وإدامة الانقسام الأهلي، وربط مصائر الأوطان بصراعات لا تملك قرارها. ولم تعد “المقاومة”، في صورتها التي نعرفها اليوم، مشروعًا لتحرير الأرض بقدر ما غدت آلية لإدارة المجتمعات على إيقاع التعبئة الدائمة، وإبقاء الحرب احتمالًا مفتوحًا، والسلم هدنة مؤقتة.
ولعل أخطر ما أنجزه حزب الله لم يكن بناء ترسانة عسكرية، بل بناء منظومة رمزية تجعل من نفسها مرجعًا وحيدًا للوطنية. فمنذ سنوات طويلة، لم يعد الاعتراض على سلاحه أو خياراته السياسية خلافًا مشروعًا، بل صار قرينة على الخيانة، ودليلًا على العمالة، وحكمًا بالإعدام المعنوي على كل من يجرؤ على مساءلته. هكذا أُلصقت التهم، بلا تردد، بكوكبة من اللبنانيين الوطنيين، من كتّاب وصحافيين ومثقفين وسياسيين، لم يرتكبوا سوى أنهم طالبوا بقيام الدولة، واحتكارها للسلاح، ورفض تحويل لبنان إلى ساحة يتقرر مصيرها خارج حدودها. وعندما يصبح التخوين لغة السياسة، ينتهي النقاش، لا لأن الحقيقة انتصرت، بل لأن الخوف حل محلها. ويصبح احتكار الوطنية أخطر من احتكار السلاح، لأنه يصادر الضمير قبل أن يصادر القرار.
ولم يكن ذلك منفصلًا عن صناعة أسطورة سياسية متكاملة، تجعل الشهادة برهانًا على صحة المشروع، لا تضحية تستحق التقدير الإنساني. وهذه ليست خصوصية حزب الله وحده، بل سمة عرفتها معظم الأحزاب اللبنانية التي حملت السلاح، حيث تتحول دماء الضحايا إلى رأس مال سياسي، وتغدو التضحيات حصانة ضد النقد، ويصبح التاريخ نفسه رهينة للرواية التي يكتبها المنتصر داخل جماعته. ومن هنا تنشأ محرمات جديدة، ليس أولها احترام الحقيقة، بل آخرها مساءلة القيادة أو مراجعة الخيارات.
غير أن البطولة ليست حيث يريد دعاة التعبئة أن نراها. البطولة ليست في الموت من أجل عقيدة سياسية أو مشروع مذهبي، بل في الحياة دفاعًا عن الحرية، وفي شجاعة البشر العاديين الذين واجهوا الاستبداد بأجسادهم العارية، وكسروا جدار الخوف من أنظمة لم تعرف من السياسة سوى القمع، ومن السلطة سوى البطش.
ولا ينبغي، وسط هذا كله، أن تضيع البوصلة. فالقضية ليست في عداء إسرائيل لحزب الله، إذ لم يكن هذا العداء يومًا سببًا في إضعافه، بل تحول، في محطات كثيرة، إلى أحد عناصر شرعيته الداخلية. المعضلة الحقيقية تكمن في البنية الفكرية والسياسية التي تحكم الحزب، وفي مرجعية تعلو فيها ولاية الفقيه على الدولة اللبنانية، ويتقدم فيها المشروع الإقليمي على المصلحة الوطنية. فمن يزج بلبنان في حروب الآخرين، ويقاتل دفاعًا عن نظام استبدادي قتل شعبه، لا يمارس فعل مقاومة بالمعنى الوطني، بل يجعل وطنًا كاملًا رهينة لاستراتيجية لا يملك اللبنانيون قرارها.
ليست هذه حربنا، ولا تلك مرجعيتنا، ولا يجوز أن يكون مستقبل لبنان معلقًا على حسابات عواصم أخرى. ما يعنينا هو أمن الناس، وسلامة الحدود، وبقاء الدولة، وصيانة ما تبقى من مؤسساتها وبناها التحتية. فالأوطان لا تُبنى بوصفها خطوط دفاع متقدمة عن مشاريع الإمبراطوريات، أكانت دينية أم قومية، ولا تُختزل إلى أوراق تفاوض في صراعات الآخرين. وإذا كان المطلوب أن يُدفع لبنان إلى الخراب مرة بعد أخرى كي يبقى مشروع ولاية الفقيه بمنأى عن الخسارة، فإن ترتيب الأولويات هذا يقول كل شيء عن طبيعة الولاء وحدود الانتماء.
ومن هنا، فإن مأزق حزب الله الحقيقي ليس في إسرائيل، ولا في خصومه اللبنانيين، بل في ذاته. في مذهبيته التي تضيق بفكرة الوطن الجامع، وفي بنيته العقائدية التي تستبدل مفهوم المواطن بمفهوم المريد، ومفهوم الدولة بمفهوم التنظيم، ومفهوم الشراكة بمنطق الغلبة. وكل انتصار يحققه خارج الدولة هو، في نهاية المطاف، هزيمة جديدة لفكرة الدولة نفسها. لذلك قد يربح الحزب معارك كثيرة، لكنه يخسر، مع كل جولة، جزءًا من إمكان قيام وطن يتساوى فيه اللبنانيون أمام قانون واحد وسيادة واحدة.
لا شماتة في هذا المصير، بل حسرة على بلد أُهدرت فرصه مرة بعد أخرى. فما كان ممكنًا بالأمس لا يزال ممكنًا اليوم، وإن ازداد كلفة. فلا سبيل إلى إنقاذ لبنان إلا بإعادة الاعتبار للدولة وحدها، بوصفها المرجعية الوحيدة للسلاح والحدود وقرار الحرب والسلم. وكل طريق آخر، مهما بدا منتصرًا في لحظته، ليس سوى دوران إضافي في الحلقة نفسها التي استنزفت اللبنانيين لعقود، وأبقت الوطن معلقًا بين حرب مؤجلة ودولة مؤجلة.

