«13 نيسان»: خمسون عاماً من الرهانات الخاسرة.. متى يسقط «ميثاق الدم» في لبنان؟

الحرب في لبنان
13 نيسان ليس للذكرى، بل للاعتبار. إنه تذكير بأن السلم الأهلي ليس هبة دائمة، بل هو جهد يومي يتطلب تنازلات متبادلة وإيماناً حقيقياً بأن لبنان، برغم كل عثراته، هو وطن يستحق الحياة.

خمسة عقود ونيف مرت على ذلك اليوم المشؤوم من نيسان 1975، ولا يزال صدى “بوسطة عين الرمانة” يتردد في أزقة الذاكرة اللبنانية، ليس كذكرى لتاريخ مضى، بل كإنذار دائم من حاضرٍ يبدو وكأنه يراوح مكانه.

إن 13 نيسان ليس مجرد تاريخ في الرزنامة الوطنية، بل هو المرآة التي تعكس عجز الجماعات اللبنانية عن اجتراح صيغة تعايش لا تنفجر عند أول منعطف إقليمي، وهو الشاهد الحي على أن الرهانات التي عُقدت في السبعينيات تحت مسميات “الثورة” أو “السيادة” أو “حماية الوجود” والتي لم تورث البلاد سوى الخراب والتبعية.

الحرب الأهلية: مدرسة الرهانات الخاسرة

دخل اللبنانيون حربهم الكبرى وهم يحملون أوهاماً ضخمة. ظن البعض أن القوة العسكرية قادرة على حسم الهوية، وتوهم آخرون أن الاستقواء بالخارج كفيل بتغيير موازين القوى الداخلية بشكل دائم. كانت الحرب ساحة لاختبار “الرهانات الخاسرة” بامتياز، فالمراهنة على “الغريب” أدت إلى استباحة السيادة، والمراهنة على إلغاء الآخر أدت إلى التقسيم النفسي والجغرافي قبل أن تنتهي الحرب بتسوية أعادت الجميع إلى طاولة واحدة، ولكن بوطن منهك ومؤسسات محطمة.

الخسارة الكبرى في تلك الحرب لم تكن في الحجر فحسب، بل في “الإنسان” الذي فُقدت بوصلته الوطنية، وفي الثقافة السياسية التي ترسخت على قاعدة أن “الأمان” لا يتحقق إلا بالتحصن خلف الطائفة، وأن “القوة” هي الوسيلة الوحيدة لفرض الرؤية السياسية.

خرج الجميع من الحرب “خاسرين”، حتى أولئك الذين توهموا الانتصار، لأن “المنتصر” في وطن مدمر ليس سوى حارس على أطلال.

الحاضر اللبناني: قراءة في كتاب “الفتنة المتجددة”

اليوم، وفيما يعيش لبنان تحت وطأة عدوان خارجي وأزمات وجودية طاحنة، نصحو يومياً على “سجالات فتنوية” تفوح منها رائحة البارود الكلامي.

إن المشهد الراهن يبدو وكأنه استنساخ مشوه لسنوات الحرب، فالاختلاف في الرؤى السياسية لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحول إلى صراع على “الهوية” و”الثقافة” و”الانتماء”.

نشهد اليوم انقساماً عمودياً حاداً حول قضايا وطنية كبرى، من سلاح المقاومة إلى شكل الدولة، وصولاً إلى كيفية إدارة الأزمات المعيشية.

هذا الانقسام يتخذ طابعاً “إلغائياً” في كثير من الأحيان، حيث يتم تخوين الآخر وتجريده من وطنيته لمجرد اختلافه في الرؤية.

الخطورة اليوم تكمن في أن “وسائل التواصل الاجتماعي” والخطاب السياسي المتشنج حوّلا السجالات إلى فتيل جاهز للاشتعال في أي لحظة، تماماً كما كانت المنابر الحزبية في السبعينيات.

فجوة الثقافات واغتيال الحوار

المعضلة اللبنانية تكمن في أن اللبنانيين لم يتفقوا بعد على تعريف موحد لـ “العدو” و”الصديق”، ولا على حدود “المصلحة الوطنية العليا”. هناك هوة ثقافية وفكرية تزداد اتساعاً في كيفية مقاربة القضايا المصيرية، فبينما يرى فريق أن القوة العسكرية هي الضمانة الوحيدة للوجود، يرى فريق آخر أن الحياد والشرعية الدولية هما الملاذ.

هذا الاختلاف، بدلاً من أن يكون مصدر غنى وتنوع، تحول إلى أداة للتحريض، حيث يُستخدم “الخوف من الآخر” وقوداً لتثبيت الزعامات الطائفية.

إقرأ أيضا: لبنان بين السيادة المهددة ونفوذ الخارج

إن ما نراه اليوم من اصطفافات حادة، هو في جوهره استمرار لذهنية 13 نيسان؛ الذهنية التي ترفض التسوية، وتعتبر التنازل ضعفاً، والحوار استسلاماً. والنتيجة هي “وطن مشلول” يعجز عن حماية حدوده أو إطعام أبنائه، بينما ينشغل قادته في توزيع صكوك الغفران والاتهامات بالخيانة.

هل يتعظ اللبنانيون؟

السؤال المرّ الذي يطرح نفسه في كل ذكرى: هل تعلمنا شيئاً؟ إن الاتعاظ لا يكون بالبكاء على الأطلال، بل بالجرأة على مراجعة الخيارات.

إن الدرس الأكبر من 13 نيسان هو أن أي رهان على الخارج هو رهان مقامر، وأن أي محاولة لفرض وجهة نظر أحادية على شعب متنوع ثقافياً وطائفياً هي وصفة أكيدة للانفجار.

في ذكرى الحرب، يحتاج اللبنانيون إلى “ثورة ثقافية” تعيد تعريف “اللبنانية” بعيداً عن الاستقواء أو الانعزال. نحتاج إلى إدراك أن الفتنة التي تطل برأسها في السجالات اليومية هي “وحش” لا يشبع، وإذا ما أُطلق عنانه فلن يرحم أحداً.

إن الرهان الوحيد الرابح هو الرهان على “الدولة” بمؤسساتها، وعلى “الحوار” كأداة وحيدة لتقريب المسافات، وعلى “المواطنة” التي تتجاوز القشور الطائفية.

13 نيسان ليس للذكرى، بل للاعتبار. إنه تذكير بأن السلم الأهلي ليس هبة دائمة، بل هو جهد يومي يتطلب تنازلات متبادلة وإيماناً حقيقياً بأن لبنان، برغم كل عثراته، هو وطن يستحق الحياة. إذا لم يتعظ اللبنانيون اليوم، وهم يرون بلادهم تنهار أمام أعينهم، فمتى سيتعظون؟ إن الهروب من الماضي لا يكون بنسيانه، بل بفهم أسبابه لضمان عدم تكرارها. كفى لبنان حروباً، وكفى أهله رهانات خاسرة؛ فقد حان الوقت ليكون “لبنان” هو الرهان الأول والأخير.

السابق
سباق بين «طاولة واشنطن» وحصار بنت جبيل.. هل ينجح لبنان في انتزاع الهدنة رغم سياسة «القوة والنار»؟
التالي
قراءة قانونية.. هل يحظر الدستور اللبناني التفاوض المباشر مع إسرائيل؟