مع اتّساع رقعة الحرب بين إسرائيل وإيران، لم يعد لبنان مجرّد ساحة جانبيّة أو جبهة إسناد محدودة، بل تحوّل إلى مسرحٍ مباشر لتداعيات هذا الاشتباك الإقليمي المفتوح. فدخول “حزب الله” على خطّ المواجهة إلى جانب طهران، وفق ما تؤكّده الوقائع الميدانيّة والرسائل السياسيّة الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني، جعل لبنان عمليًّا جزءًا من الحرب، لكن بخصوصيّة أشدّ قتامة وخطورة. وبينما تتقدّم المؤشّرات العسكريّة نحو احتمالات اجتياح برّي وقضم أراضٍ، تتكشّف في الداخل أزمات سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة متراكمة، تُنذر بانفجار شامل قد يتجاوز في تداعياته ما شهده لبنان في حرب 2024. في هذا السياق، ترسم قراءتا الكاتب الصحافي جوني منيّر والخبير الاقتصادي والصحافي منير يونس صورة شديدة السواد: حربٌ طويلة ومعقّدة المسار، ودولةٌ تتآكل من الداخل، واقتصادٌ يترنّح تحت وطأة النزوح والتضخّم وتآكل الاحتياطات.
لبنان دخل الحرب… لكن بخريطة مختلفة
يؤكّد الكاتب الصحافي جوني منيّر في حديثه لـ”جنوبيّة” أنّ الارتباط بين إيران ولبنان في هذه الحرب “واضح جدًّا”، معتبرًا أنّ بيان الحرس الثوري الإيراني حول “العمليّة المشتركة” بين الحزب والحرس هو الدليل الأوضح على أنّ ما يجري في الجنوب اللبناني ليس منفصلًا عن الحرب الإقليميّة الكبرى. غير أنّ منيّر يلفت إلى نقطة بالغة الأهميّة: حتى لو توقّفت الحرب في إيران، فهذا لا يعني بالضرورة أن تتوقّف في لبنان.
بحسب قراءته، فإنّ إسرائيل بدأت تتحدّث بوضوح عن اجتياح برّي وقضم أراضٍ، ما يعني أنّ لبنان لم يدخل فقط حرب الإسناد لإيران، بل دخل أيضًا حربًا ذات مسار خاص، قد تكون “أكثر قتامة ومختلفة المسار”. وهذه الإشارة بالذات تعكس تحوّلًا خطيرًا: من جبهة ضغط متبادلة إلى مشروع عسكري إسرائيلي قد يستهدف فرض وقائع ميدانيّة جديدة داخل الأراضي اللبنانيّة.

مفاوضات غامضة… وانعدام ثقة بالطرف اللبناني
على مستوى المسار التفاوضي، يرى منيّر أنّ المعالم لا تزال غير ظاهرة، بل إنّ الظروف الحاليّة لا تساعد على ولادة مفاوضات جدّية أو منتجة. فبعد الخطاب العالي السقف للأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، يعتقد منيّر أنّ الإسرائيلي والأميركي لن يكونا واثقين بالطرف اللبناني، خصوصًا إذا بقي القرار الفعلي موزّعًا بين الدولة والحزب.
ويضيف أنّ الجانب الإسرائيلي يريد ممثلًا رسميًّا من وزراء الحكومة اللبنانية ليتولّى التفاوض باسم لبنان، على أن يكون هذا المفاوض أيضًا مقبولًا من الحزب، بحيث تبدو المفاوضات، في نظر الأميركي والإسرائيلي، “بنّاءة” وقابلة للتنفيذ. هذا الشرط، بحدّ ذاته، يكشف حجم الأزمة البنيويّة في الدولة اللبنانيّة: لا أحد يثق بقدرتها على التفاوض ما لم تكن موافقة “حزب الله” مضمونة، ولا أحد يثق بالحزب بوصفه شريكًا يمكن الرهان على التزامه السياسي.
منيّر: بيان الحرس الثوري الإيراني حول “العمليّة المشتركة” بين الحزب والحرس هو الدليل الأوضح على أنّ ما يجري في الجنوب اللبناني ليس منفصلًا عن الحرب الإقليميّة الكبرى.
رون ديرمير… إشارة تشدّد لا تسوية
وفي ما يتعلّق بما أوردته القناة 12 الإسرائيلية عن اختيار الوزير الإسرائيلي السابق رون ديرمير لإدارة الملف اللبناني، يعتبر منيّر أنّ هذه المعطيات “لا تبشّر بالخير”. فبرأيه، إسرائيل لن تفتح باب التفاوض قبل مرور عدّة أسابيع من الحملات العسكريّة، أي أنّها ستسعى أولًا إلى تحسين شروطها الميدانيّة، وربما فرض وقائع جديدة قبل أي مسار سياسي.
ويشدّد منيّر على أنّ شخصيّة ديرمير نفسها تحمل دلالات مقلقة، إذ إنّه أكثر تشدّدًا من بنيامين نتنياهو، فضلًا عن أنّه يتمتّع بعلاقة وثيقة جدًّا مع الإدارة الأميركيّة. وهذا يعني أنّ أيّ إدارة إسرائيلية للملف اللبناني في المرحلة المقبلة ستكون أقرب إلى منطق الإملاء والضغط، لا إلى منطق التسوية السريعة أو التهدئة المتوازنة.
قائد الجيش والمحكمة العسكريّة… ضغط أميركي محتمل
في الشقّ الداخلي، يتطرّق منيّر إلى الحديث المتزايد حول إقالة أو استقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، إضافة إلى ملف هيكلة المحكمة العسكريّة. وهو يميّز بين الملفّين بوضوح: فـتغيير هيكليّة المحكمة العسكريّة شأن داخلي لبناني، ويمكن أن يُطرح ضمن نقاشات الدولة ومؤسّساتها.
لكن في ما خصّ قائد الجيش، يلفت إلى أنّ تمسّك رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس النوّاب به لا يلغي وجود عدم رضا أميركي عن أدائه وسلوكه. ويذهب أبعد من ذلك بالقول إنّه، في حال لم يُقدم هيكل على الاستقالة، فقد تلجأ الإدارة الأميركيّة إلى تقليص المساعدات المخصّصة للجيش اللبناني كوسيلة ضغط لدفعه إلى التنحّي. وهذه الإشارة تفتح الباب على مواجهة حسّاسة تمسّ واحدة من آخر المؤسّسات التي لا تزال تمثّل ركيزة استقرار نسبي في لبنان.
احتياطي الدولار يتآكل… والودائع إلى مزيد من التأجيل
اقتصاديًّا، تبدو الصورة أكثر سوداويّة. فالخبير الاقتصادي والصحافي منير يونس يؤكّد لـ”جنوبيّة” أنّ احتياطي العملات في تراجع مستمرّ، بانتظار صدور آخر الإحصاءات والمؤشّرات. ويشير إلى أنّ الضغط يتزايد على الدولار وعلى السحوبات، خصوصًا من الحسابات النقديّة بالدولار، فيما يواصل مصرف لبنان صرف أموال المودعين بالدولار ورواتب الموظفين بالدولار.
وبحسب يونس، فإنّ المقارنة مع حرب عام 2024 تكشف أنّ احتياطي الدولار تراجع بنسبة كبيرة، وإذا تفاقمت الأمور خلال الأسابيع المقبلة، “سنكتشف أنّ الاحتياطي تراجع بشكل كبير جدًّا في مصرف لبنان”. أمّا في ما يتعلّق بمصير الودائع، فيرى أنّ الملف مؤجّل بالكامل، ومن غير المتوقّع أن تحمل سنة 2026 أيّ تغيير، خصوصًا بعد تأجيل نقاش قانون الفجوة الماليّة والخلافات الحادّة حوله والضغوط لعدم تمريره.

القطاعات تنهار… والتضخّم يلتهم ما تبقّى
يرسم يونس مشهدًا اقتصاديًّا كارثيًّا: تراجع بنسبة 50% في التجارة، و50% في الصناعة، و50% في الزراعة، فيما تصل الخسائر في السياحة والسفر إلى 80 و90%. كما توقّفت الصادرات اللبنانيّة إلى دول الخليج، ما ينعكس مباشرة على التجارة والصناعة، في حين سجّل قطاع المطاعم تراجعًا يتراوح بين 50% و90% بحسب المناطق.
لكن الضربة الأقسى، بحسب يونس، تطاول قطاع العقارات، حيث توقّفت عمليّات البيع والشراء بالكامل تقريبًا، مع دمار عشرات آلاف الوحدات السكنيّة. كذلك، هبط شراء السلع غير الأساسيّة بنسبة 80 إلى 90%، فيما تركّز الأسر إنفاقها على الغذاء والضروريّات. وحتى المرافئ لم تسلم، إذ تشير الإحصاءات إلى تراجع المناولة في مرفأي بيروت وطرابلس.
ويحذّر يونس من موجة تضخّم جديدة بفعل ارتفاع أسعار النفط، بعدما تجاوز سعر البرميل عالميًّا 100 دولار نتيجة الحرب على الخليج. وإذا أُغلق مضيق هرمز بالكامل، فقد يصل السعر إلى 200 دولار، ما يعني صدمة عالميّة كبرى. وفي لبنان، ستكون النتيجة المباشرة: ارتفاع كلفة النقل والطاقة، وتبخّر ما تبقّى من زيادات رواتب القطاع العام، وضرب الطبقات الفقيرة والمتوسّطة بشكل قاسٍ.
يونس: تراجع بنسبة 50% في التجارة، و50% في الصناعة، و50% في الزراعة، فيما تصل الخسائر في السياحة والسفر إلى 80 و90%
مليون نازح… وقنبلة اجتماعيّة موقوتة
في ملفّ النزوح، يشير يونس إلى أنّ مليون نازح يضغطون اليوم على الاقتصاد اللبناني، ما يهدّد بتردّي الخدمات العامّة وإضعاف الإدارات الرسميّة. ويحذّر من أنّ عدم معالجة هذا الملف سريعًا سيحوّل النازحين إلى “قنبلة موقوتة” قد تُنتج كارثة اجتماعيّة واقتصاديّة واسعة النطاق.
وفي الخلاصة، يبدو لبنان، أمام حرب تتجاوز الحدود العسكريّة إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي بالكامل، فإسرائيل تستعدّ لمرحلة أشدّ عنفًا، التفاوض مؤجّل إلى ما بعد النار، الداخل اللبناني فاقد للثقة والسيادة، والاقتصاد ينهار بسرعة تحت وطأة الحرب والنزوح والتضخّم. إنها ليست مجرّد جبهة مساندة لإيران، بل حرب لبنانيّة بوجه إقليمي، قد تكون الأكثر خطورة منذ عقود.

