لم أجد عبارةً تختصر مواقفي في السياسة والأدب وكرة القدم، والتي يصفها كثيرون بأنها “مثيرة للجدل”، أفضل مما قاله الشاعر والقاص الأميركي شارلز بوكوفسكي: “الحرية تبدأ حين تتوقف عن محاولة إرضاء الجميع.” وهي عبارة تنطبق تمامًا، ولا سيما مع استمرار فعاليات كأس العالم لكرة القدم، على مسألة إعلان الميول الكروية والتعبير عنها بحرية.
كمشجعٍ للمنتخب الفرنسي منذ سنوات، لم أخجل يومًا من إعلان تشجيعي للمنتخب الأرجنتيني بقيادة الساحر ليونيل ميسي، الذي واجه في الدور السادس عشر المنتخب المصري. وقدّم المنتخب المصري مباراةً شرسة بقيادة محمد صلاح، وإمام عاشور، والحارس المتألق مصطفى شوبير، الذي تصدى لركلة جزاء نفذها ميسي، وسط أداء دفاعي مميز من زملائه.

حين تتحول المباراة إلى معركة أيديولوجية
كل شيء كان يبدو رائعًا حتى صافرة النهاية، لكن ما بعدها لم يكن كما قبلها. فالجماهير التي كان يفترض أن تجلس أمام الشاشات في المقاهي والبيوت والشوارع لمتابعة مباراة كرة قدم، تحولت إلى جماعات سياسية متشنجة، تمارس إسقاطات أيديولوجية لا رابط بينها وبين ما جرى داخل المستطيل الأخضر الذي لا يشغله سوى اثنين وعشرين لاعبًا وحكام المباراة.
الصورة التي نشرتها، ككثيرين، لنجمي المفضل بعد الأسطورة دييغو أرماندو مارادونا، ليونيل ميسي، تحولت فجأة إلى “بيان سياسي”. انهالت التعليقات والهجمات من عشرات المصريين واللبنانيين: حظر، حذف من قوائم الصداقة، اتهامات بالعمالة، والحقد، والعنصرية تجاه العرب، فيما كانت ألطف التهم أنني “متسرع”.

غوستاف لوبون… الجماهير لا تفكر بل تنفعل
تقودنا هذه التجربة الشخصية إلى فكرة طرحها الطبيب والفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون قبل أكثر من قرن في كتابه “سيكولوجية الجماهير”، حين كتب:
“الجماهير مجنونة بطبيعتها، فالجماهير التي تصفق بحماسة شديدة لمطربها المفضل أو لفريق كرة القدم الذي تؤيده تعيش لحظة هلوسة وجنون.”
لقد حوّلت مباراة مصر والأرجنتين جزءًا من الجمهور العربي، والمصري خصوصًا، إلى جمهور سياسي أكثر منه جمهورًا رياضيًا. بدا وكأن العجز عن خوض المواجهة مع إسرائيل بالسلاح أو بالحجارة جرى تعويضه في مباراة تستغرق تسعين دقيقة.
وفي المخيال الجمعي، أصبح مطلوبًا من الأرجنتين، بقميصها الأزرق السماوي والأبيض، أن تؤدي دور “إسرائيل”، بسبب تشابه ألوان العلمين والعلاقات الجيدة بين حكومة الأرجنتين وإسرائيل. ولتكتمل الحجة، استُحضرت زيارات ميسي إلى إسرائيل وصلاته عند حائط المبكى، لتتحول مباراة كرة قدم إلى ساحة محاكمة سياسية.

عقدة الهزيمة… من الملاعب إلى السياسة
لا يمكن إنكار أن المنتخب المصري قدم مباراة كبيرة، لكن مشكلة الاعتراف بالهزيمة لا تزال تطارد جزءًا من العقل العربي. وقد غذّى هذا الإنكار تصريح المدرب المصري حسام محمد، الذي وصف الأداء التحكيمي بأنه “تسويقي” لميسي، الذي يعتبره كثيرون “مدلل الفيفا”.
هذا الخطاب لا يختلف كثيرًا عن أنماط سياسية مألوفة في المنطقة، حيث يصبح الحديث عن المؤامرة وسيلة للهروب من مراجعة الأخطاء. فكما لجأت قوى سياسية في لبنان، وفي مقدمها حزب الله، إلى خطاب يرفض الاعتراف بنتائج الحروب والخسائر التي تكبدها لبنان، انتقل المنطق نفسه إلى ملعب كرة القدم: المؤامرة، والانحياز، والظلم، بدل النقد الرياضي الموضوعي.
إنها العدوى نفسها، عدوى تفسير كل خسارة بأنها نتيجة تآمر خارجي، لا نتيجة أخطاء داخلية.

علم إسرائيل… والاستفزاز المتبادل
صحيح أن أحد المشجعين الأرجنتينيين رفع العلم الإسرائيلي في المدرجات، لكن قليلين توقفوا عند السياق. فقد سبق للمدرب المصري أن رفع علم فلسطين عقب فوز منتخب بلاده على هولندا بركلات الترجيح.
بدا المشجع الأرجنتيني وكأنه استغل نقطة حساسة لدى الجمهور المصري ونجح في استفزازه، لتتحول الأنظار مجددًا من مباراة قائمة على المهارة والإثارة إلى سجال سياسي، في الوقت الذي يلجأ فيه الناس أصلًا إلى كرة القدم أو السينما أو المسرح هربًا من السياسة.

ثقافة الضحية بدل ثقافة المراجعة
تكمن المشكلة، في رأيي، في عقدة أعمق: رفض الاعتراف بالخطأ والهزيمة، واللجوء تلقائيًا إلى خطاب المؤامرة والفساد التحكيمي لتبرير الخسارة.
لقد حاول المدرب المصري، من خلال احتجاجاته وإشاراته المناهضة للعنصرية واحتكاكه بالحكم والجمهور الأرجنتيني، أن يعود إلى بلاده محصنًا من غضب الجماهير، ناقلًا النقاش من الأداء الفني إلى خطاب المظلومية.
وإذا كان الفيفا، بحسب روايته، قد حوّل البطولة إلى منصة دعائية لميسي، فإن المدرب نفسه نجح في تحويل النقاش من تحليل الأخطاء الكروية إلى خطاب الضحية، وهو خطاب يتكرر في كثير من المجتمعات العربية كلما اقتربت لحظة المحاسبة.

أتركوا السياسة… خارج الملعب
في كتابه الشهير “في الشعر الجاهلي”، كتب عميد الأدب العربي طه حسين عبارته الشهيرة: “أتركوا السياسة لأهل السياسة.” كان يقصد الفصل بين الأدب والسياسة، لكن العبارة تبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى.
فربما أصبح علينا أن نرددها كلما شاهدنا مباراة كرة قدم، أو فيلمًا سينمائيًا، أو معرضًا فنيًا. ليس لأن السياسة غير مهمة، بل لأن تحويل كل مساحة إنسانية إلى ساحة صراع أيديولوجي يجعلنا نفقد القدرة على الاستمتاع بالجمال، والرياضة، والفن، دون أن نُتهم بالعمالة أو الخيانة أو الانحياز السياسي.
فالروح الرياضية، مثل الفن والأدب، لا تزدهر إلا حين نسمح لها بأن تكون مساحة للمتعة والتنافس، لا امتدادًا دائمًا لمعركة السياسة.

