مع عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة، يجد لبنان نفسه مجدداً في قلب عاصفة إقليمية مفتوحة، وسط مخاوف من أن تؤدي أي مواجهة واسعة إلى إعادة إشعال الجبهة الجنوبية ونسف المسار التفاوضي الذي أطلقته واشنطن بين لبنان وإسرائيل. وفي هذا المناخ الملبّد، تتجه الأنظار إلى محطة مفصلية تتمثل في زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن في الحادي والعشرين من الجاري، والتي تسبقها جولة تفاوض جديدة في روما، فيما تكثف الإدارة الأميركية اتصالاتها لتثبيت مسار تنفيذ اتفاق الإطار، بالتوازي مع استمرار التصعيد الإسرائيلي ميدانياً وسياسياً.
تمهيد أميركي لواشنطن وروما
وفي إطار التحضير للاستحقاقين، جال السفير الأميركي ميشال عيسى على الرؤساء الثلاثة، حاملاً رسائل تؤكد استمرار الرعاية الأميركية للمفاوضات، ومشدداً على أن نقل الاجتماعات من واشنطن إلى روما يعود إلى اعتبارات تقنية ولوجستية لا تمس بجوهر الاتفاق. وأبلغ رئيس الجمهورية أن زيارة واشنطن تكتسب أهمية استثنائية في هذه المرحلة، وتعكس اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستقرار لبنان ودعم تنفيذ التفاهمات التي أُنجزت.
وخلال لقاءاته، شدد المسؤولون اللبنانيون على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، والبدء بخطوات الانسحاب من المناطق المحددة، تمهيداً لانتشار الجيش اللبناني، فيما كشف عيسى عن وصول وفد عسكري أميركي قريباً لاستكمال الترتيبات التنفيذية الخاصة بالمناطق التجريبية ومنع أي فراغ أمني بعد الانسحاب الإسرائيلي.
رسالة إلى طهران: السيادة قرار لبناني
في المقابل، حملت لقاءات الوفد الإيراني مع نائب رئيس الحكومة طارق متري ورئيس مجلس النواب نبيه بري رسائل لبنانية واضحة، عنوانها أن قرار الدولة هو بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، انطلاقاً من مبدأ السيادة الكاملة ورفض أي وصاية أو هيمنة خارجية.
وتعزز هذا الموقف مع تصريحات وزير الخارجية يوسف رجي من قبرص، حيث أكد أن المفاوضات مع إسرائيل شأن لبناني حصراً، وأن الدولة وحدها صاحبة القرار، مشدداً على أن حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية ليس مطلباً خارجياً، بل ضرورة لبناء الدولة، في وقت جدد فيه انتقاد موقف حزب الله الرافض للتجاوب مع هذا المسار.
سرائيل تصعّد… وكاتس يتمسك بالبقاء
وفي الميدان، واصل الجيش الإسرائيلي عمليات النسف والتفجير في عدد من بلدات الجنوب، من حداثا إلى حولا والخيام والطيبة، بالتزامن مع تصعيد سياسي لافت من وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي أعلن أن إسرائيل “لا تحتاج إلى إذن من أحد للبقاء في لبنان”، مؤكداً استمرار وجود قواته داخل ما سماها “المنطقة الأمنية” إلى حين نزع سلاح حزب الله بالكامل.
ويكشف هذا الموقف عن استمرار التباين بين واشنطن وتل أبيب، بعدما كان الرئيس ترامب قد أعرب عن اعتقاده بإمكان انسحاب إسرائيل من لبنان، فيما كشف أيضاً أن الرئيس السوري أحمد الشرع قدم له تعهدات تتعلق بحزب الله، من دون الإفصاح عن تفاصيلها.
دعم أوروبي وإصلاحات داخلية
بالتوازي، حملت زيارة وزير الخارجية يوسف رجي إلى قبرص دعماً أوروبياً واضحاً للبنان، حيث أكد الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس أن بلاده تعمل داخل الاتحاد الأوروبي للارتقاء بالعلاقة مع لبنان إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، داعياً اللبنانيين إلى استثمار الاهتمام الدولي غير المسبوق ببلادهم.
داخلياً، واصل مجلس الوزراء البحث في ملفات التعيينات الإدارية، فيما أقرت اللجان النيابية المشتركة قانون الإعلام وأحالت مشروع إلغاء عقوبة الإعدام إلى الهيئة العامة، بالتزامن مع تأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام سفراء الاتحاد الأوروبي أن المجلس ماضٍ في استكمال التشريعات الإصلاحية، وفي مقدمها إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتأمين الودائع، بما ينسجم مع متطلبات صندوق النقد الدولي ويمهد لمرحلة إعادة الإعمار.

