لطالما ردد الفيزيائي ألبرت أينشتاين مقولته الشهيرة بأن “الغباء هو تكرار الفعل نفسه مراراً وتكراراً بانتظار نتائج مختلفة”.
لكن في المشهد اللبناني الراهن، يبدو أن هذا التعريف القاصر لا يكفي لوصف الكارثة، فما نعيشه يتجاوز “سوء التقدير” ليلامس حدود “الخبث الممنهج” الذي يمارسه حزب الله لصالح أجندات إقليمية، للمقامرة بوطن بأكمله وبطائفة أصبحت وقوداً لنار لا تبقي ولا تذر.
وهم المعادلات المستحيلة
يبرز السؤال الجوهري الذي يطرحه العقل والمنطق: كيف لمن عجز عن فرض معادلات الردع وحماية سيادة الأرض وهو في ذروة عتاده، وبكامل جهوزية قيادته التاريخية والميدانية، أن يزعم اليوم القدرة على فرض شروط جديدة وسط ركام الاغتيالات وانهيار الهيكل التنظيمي؟
إن محاولة إقناع الجمهور بأن “النصر قاب قوسين” في ظل تفوق تكنولوجي واستخباراتي ساحق للعدو، هو نوع من التخدير السياسي. فالمعادلات العسكرية لا تُبنى على “التمنيات” أو “الغيبيات”، بل على موازين قوى ملموسة.
والحديث عن فرض “قواعد اشتباك” جديدة اليوم، بعد أن فُقدت السيطرة على الأجواء والأرض والمبادرة، ليس إلا استمراراً في نهج الهروب إلى الأمام، واتكالاً واهماً على “تدخلات إلهية” أو “ملائكة” لن تأتي لإنقاذ من قرر الانتحار بملء إرادته.
جبهة الإسناد: فخ “غزة” الذي ابتلع لبنان
لقد رُبط مصير لبنان بقطاع غزة بقرار أحادي، تحت مسمى “جبهة الإسناد”. هذا الربط الذي أثبتت الأيام أنه كان كارثياً بكل المقاييس:
* على المستوى العسكري: لم تنجح هذه الجبهة في تخفيف الضغط عن غزة أو وقف آلة القتل هناك، بل تحولت إلى استنزاف مجاني للقدرات اللبنانية.
* على المستوى الاستراتيجي: أعطت للعدو الذريعة الذهبية لتنفيذ مخططاته القديمة في تدمير البنية التحتية اللبنانية وتهجير السكان.
* على المستوى السياسي: وضعت لبنان في مواجهة مع المجتمع الدولي، وعزلته عن عمقه العربي الذي يرفض الانجرار إلى حروب الوكالة الإيرانية.
الكارثة على “البيئة الشيعية”: الثمن الأغلى
أكثر ما يثير الريبة والوجع هو الاستهتار بمصير “البيئة الحاضنة”. هذه البيئة التي تُركت وحيدة تواجه أهوال النزوح، وتدمير الأرزاق، وفقدان الأبناء في معارك لا ناقة لها فيها ولا جمل. الطائفة الشيعية في لبنان، التي كانت ركيزة من ركائز الدولة والبناء، تجد نفسها اليوم مهجرة في وطنها، تعاني من وصمة “الحرب الدائمة” التي فُرضت عليها.
إقرأ أيضا: الثنائي الشيعي: شعارات كبيرة وواقع من الدمار والتهجير
إن “الخبث” يكمن في تصوير هذا الدمار الشامل على أنه “تضحية ضرورية”، بينما الحقيقة هي أن هذه التضحيات تصب فقط في ميزان التفاوض الإيراني مع الغرب. فدماء اللبنانيين وصمودهم يُباع ويُشترى في أروقة فيينا ومسقط، والوكلاء المحليون ليسوا سوى أدوات لتنفيذ هذا المخطط مقابل البقاء في السلطة فوق الأنقاض.
من الغباء إلى الخيانة السياسية
حين يتكرر السيناريو نفسه، من إسناد غزة إلى إسناد إيران، مع تضاعف الخسائر مئات المرات، ندرك أننا أمام “سياسة انتحارية” متعمدة.
إن الإصرار على استعداء العالم والارتهان للمحور الإيراني، في وقت ينهار فيه الاقتصاد اللبناني وتتفتت فيه الدولة، هو فعل يتجاوز الغباء بمراحل.
إن القوى التي تدعي المقاومة تدرك تماماً أنها لا تملك مقومات الصمود الاقتصادي أو الاجتماعي لشعبها، ومع ذلك تستمر في قرع طبول الحرب. هذا هو “الخبث” بعينه؛ استثمار دماء البسطاء للحفاظ على نفوذ القيادات الإقليمية.
العودة إلى الواقع أو السقوط النهائي
إن “الملائكة” التي ينتظرها البعض لن تنزل لإعادة بناء البيوت المدمرة، ولن تداوي جراح المهجرين. الحل الوحيد يكمن في فك الارتباط القاتل بالأجندات الخارجية والاعتراف بأن مصلحة لبنان واللبنانيين فوق كل اعتبار “محوري”.
إن الاستمرار في نهج “الإسناد” هو حكم بالإعدام على ما تبقى من لبنان. فهل ننتظر حتى تُقتلع الرقاب فعلياً لنكتشف أننا كنا مجرد أحجار شطرنج في لعبة كبرى لا تعترف بالحدود ولا بالأوطان؟ إن صرخة العقل اليوم يجب أن تعلو فوق ضجيج الشعارات، فلبنان لم يعد يحتمل المزيد من “الغباء” المغلّف بـ “القداسة” المزيفة.

