مع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وقيام إسرائيل باحتلال نقاط إضافية فوق ما عُرف بالنقاط الخمس الحدودية، يدخل المشهد اللبناني مرحلة جديدة من التعقيد العسكري والسياسي. فالتطور الحالي لا يمكن اعتباره حادثاً ميدانياً محدوداً أو جولة تصعيد عابرة، بل يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك على الحدود الجنوبية، وربما إعادة صياغة الترتيبات الأمنية التي استقرت منذ حرب تموز 2006.
تعكس هذه التطورات تحولاً في المقاربة الإسرائيلية تجاه الجبهة اللبنانية. فبعد سنوات من سياسة الردع المتبادل وإدارة التوتر ضمن سقف معين، يبدو أن إسرائيل تسعى اليوم إلى فرض واقع ميداني جديد يضمن لها مستوى أعلى من الأمن على حدودها الشمالية. وفي المقابل، يجد لبنان نفسه مرة أخرى أمام معادلة حساسة تجمع بين الحسابات العسكرية الإقليمية والتوازنات السياسية الداخلية المعقدة.
دلالات السيطرة على النقاط الحدودية
إن سيطرة إسرائيل على نقاط إضافية فوق المواقع التي كانت قد احتلت سابقاً تحمل رسائل عسكرية وسياسية متعددة. فمن الناحية العسكرية، تمنح هذه المواقع الجيش الإسرائيلي قدرة أكبر على المراقبة والسيطرة النارية على مناطق قريبة من الحدود، ما يحد من قدرة أي قوة مسلحة على التحرك بحرية في تلك المنطقة.
كما تسمح هذه السيطرة لإسرائيل بإنشاء ما يشبه “حزاماً أمنياً محدوداً”، ولو بشكل غير رسمي، يعيد إلى الأذهان تجربة الشريط الحدودي التي استمرت في جنوب لبنان حتى عام 2000، وإن كان السياق الحالي مختلفاً في كثير من جوانبه.
أما سياسياً، فإن احتلال هذه النقاط يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط تستخدمها إسرائيل في أي مسار تفاوضي لاحق، إذ غالباً ما تتحول السيطرة على الأرض إلى أداة لتعزيز الموقع التفاوضي وفرض شروط أمنية أو سياسية على الطرف المقابل.
الأهداف الإسرائيلية المحتملة
عند قراءة الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي في الفترة الأخيرة، يمكن استنتاج مجموعة من الأهداف التي قد تشكل أساس أي اتفاق مستقبلي لوقف إطلاق النار.
أول هذه الأهداف يتمثل في إبعاد حزب الله عن الحدود الشمالية لإسرائيل. فمنذ سنوات ترى إسرائيل أن وجود مقاتلي الحزب وبنيته العسكرية في القرى الجنوبية القريبة من الخط الأزرق يشكل تهديداً مباشراً لأمنها، ولذلك قد تسعى إلى فرض انسحاب فعلي لعناصر الحزب إلى شمال نهر الليطاني أو على الأقل إلى مسافة تقلل من الاحتكاك المباشر مع الحدود.
الهدف الثاني هو تعزيز دور الدولة اللبنانية في ضبط الحدود. فمن المرجح أن تضغط إسرائيل باتجاه انتشار كامل وفعلي للجيش اللبناني في الجنوب، بحيث يكون الجهة المسلحة الوحيدة هناك إلى جانب قوات الأمم المتحدة.
أما الهدف الثالث فيتعلق بتفكيك البنية العسكرية القريبة من الحدود، إذ تعتبر إسرائيل أن منصات الصواريخ والمواقع العسكرية التي أقامها حزب الله في الجنوب تشكل تهديداً استراتيجياً، وقد تطالب بإجراءات واضحة لنقل هذه القدرات أو تفكيكها.
أما الهدف الرابع فيتمثل في إنشاء آلية رقابة دولية أكثر فعالية، إذ ترى إسرائيل أن تنفيذ القرار الدولي 1701 لم يكن كافياً لمنع تعزيز قوة حزب الله في الجنوب، لذلك قد تسعى إلى صيغة رقابة جديدة بإشراف دولي أوسع أو بدور أميركي أكثر مباشرة.
المقارنة مع تجربة عام 1982
عند النظر إلى ما يجري اليوم في الجنوب اللبناني، تبرز مقارنة تاريخية مع ما حدث عام 1982 عندما اجتاحت إسرائيل لبنان بهدف إنهاء الوجود العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية.
في تلك المرحلة كانت إسرائيل تعتبر أن العمليات العسكرية المنطلقة من جنوب لبنان تشكل تهديداً دائماً لأمنها، وأن الدولة اللبنانية عاجزة عن ضبط الحدود. وقد انتهت تلك المواجهة باتفاق دولي أدى إلى خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وانتقال قيادتها إلى تونس.
يرى بعض المراقبين أن هناك تشابهاً بين الحالتين من حيث الهدف الإسرائيلي المعلن بإبعاد قوة مسلحة غير رسمية عن حدودها الشمالية، وكذلك من حيث محدودية قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرتها الكاملة على الجنوب.
لكن هناك أيضاً اختلافات جوهرية. فبينما كانت منظمة التحرير الفلسطينية قوة عسكرية خارجية نسبياً عن المجتمع اللبناني، يشكل حزب الله جزءاً من النسيج اللبناني وله حضور سياسي واجتماعي واسع.
كما أن السياق الإقليمي اليوم أكثر تعقيداً، إذ يرتبط حزب الله بمحور إقليمي تقوده إيران، ما يجعل أي تسوية مرتبطة بتوازنات إقليمية أوسع. كذلك فإن ميزان القوى العسكري مختلف، إذ يمتلك حزب الله قدرات عسكرية وصاروخية أكبر بكثير مما كانت تمتلكه الفصائل الفلسطينية قبل عام 1982.
موقع حزب الله في المرحلة المقبلة
في ظل هذه المعطيات، يجد حزب الله نفسه أمام مرحلة حساسة. فهو من جهة يسعى إلى الحفاظ على صورته كقوة ردع في مواجهة إسرائيل، ومن جهة أخرى يواجه واقعاً ميدانياً قد يفرض عليه التكيف مع معادلات جديدة.
هناك عدة احتمالات لكيفية تعاطي الحزب مع هذه التطورات. فقد يختار رفض الشروط الإسرائيلية والاستمرار في المواجهة، وهو خيار يحمل مخاطر توسع الحرب أو استنزاف طويل الأمد.
كما قد يلجأ إلى التكيف غير المعلن مع الترتيبات الجديدة عبر تقليص وجوده العلني قرب الحدود أو إعادة انتشار قواته بما يقلل من الاحتكاك المباشر مع إسرائيل.
أما الاحتمال الثالث فيتمثل في ربط الملف اللبناني بالتطورات الإقليمية، نظراً إلى ارتباط الحزب بمحور إقليمي تقوده إيران، ما قد يجعل أي اتفاق مرتبطاً بملفات إقليمية أوسع.
دور الدولة اللبنانية
في خضم هذه التطورات يبرز مجدداً السؤال حول دور الدولة اللبنانية وقدرتها على إدارة هذا الملف. فمن الناحية النظرية تقع مسؤولية الأمن في الجنوب على عاتق الدولة ومؤسساتها، لكن الواقع السياسي والعسكري في لبنان خلق ازدواجية في القرار الأمني بسبب وجود قوة عسكرية غير رسمية بحجم حزب الله.
ومع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية، قد تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام لحظة مفصلية تتطلب اتخاذ قرارات واضحة بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب، خصوصاً أن المجتمع الدولي قد يربط أي دعم سياسي أو اقتصادي للبنان بمدى قدرته على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيه.

