تعهدات الإصلاح في مواجهة نفوذ المنظومة

hareth-sleiman-1

في قلب الانهيار المالي الذي يضرب لبنان منذ 2019، جاءت حكومة نواف سلام رافعة شعار الإصلاح، ومعلنة نيتها إعادة هيكلة المالية العامة.

ما قامت به الحكومة حتى الان لم يكن قليلا نظريا: من اقرار قانون رفع السرية المصرفية بمفعول رجعي، الى قانون اعادة هيكلة المصارف، ثم قانون استعادة الودائع واستعادة الانتظام المالي، ثم اقرار قانون السلطة القضائية المستقلة، لكن عمليا كل هذه القوانين لم تأخذ طريقها للتنفيذ، بسبب مقاومة المنظومة المارقة لها، وقيامها في مجلس النواب بشل فعاليتها او تعطيلها بذرائع شتى آخرها إسقاط قانون السلطة القضائية الذي ابطله المجلس الدستوري بسبب عيب في آليات تصديقه في مجلس النواب.

وقد تجلت الرؤية الجديدة لرئيس الحكومة في ثلاثة وعود رئيسية : إقرار نظام ضريبي عادل ينقل العبء من الضرائب غير المباشرة إلى الضرائب المباشرة على الأرباح والمداخيل، وإعادة حصر التعديات على الأملاك البحرية والنهرية والعامة وتحصيل رسومها بعد اعادة تقييم اثمانها، وتفعيل جباية المستحقات المتأخرة والغرامات على قطاع المقالع والكسارات.

هذه التعهدات، وإن بدت فنيّة ومالية، إلا أنها في جوهرها تمثل “مشروع مواجهة” مع بنية اقتصادية-اجتماعية متراكمة. فهي تستهدف، على حد تعبير رئيس الحكومة نفسه، نافذين في السياسة والمال والأمن والقضاء. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل الإدارة اللبنانية القائمة، والتي يتسلل إليها النفوذ السياسي ويعيقها الفساد المستشري، صالحة وقادرة على تنفيذ هذه الإصلاحات؟ وكيف يمكن للحكومة أن تنجح في مسعاها لمواجهة مباشرة مع منظومة سياسية-مالية كرّست نفسها فوق الدولة.

فلبنان اليوم لا يعاني فقط من عجز مالي، بل من “دولة مستتبعة” تم تفصيل مؤسساتها على قياس زعماء الطوائف وأصحاب الامتيازات. من هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تكفي إرادة رئيس الحكومة لكسر شبكة مصالح عمرها عقود، أم أن المنظومة ستنجح مرة جديدة في إجهاض الإصلاح وتشويهه؟

الوعد الأول: العدالة الضريبية… حين تصطدم النيات بجدار الزبائنية

تعهد الرئيس سلام بإصلاح جذري للنظام الضريبي، ينتقل به من الاتكاء على الضرائب غير المباشرة (التي تشبه “الضريبة على الرأس” لأنها لا تفرق بين غني وفقير) إلى تحميل العبء على المداخيل المالية والأرباح، هذا تصحيح بديهي لنظام مختلّ تاريخياً لمصلحة كبار المستفيدين.

هذا التوجه يستند إلى حقيقة أن الضرائب المباشرة والتصاعدية في لبنان لا تشكل سوى 20% من إجمالي الإيرادات الضريبية، لكن الإشكالية بدأت من الخطوة الأولى، فقبل أي إصلاح هيكلي، لجأت الحكومة إلى زيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1% وزيادة سعر البنزين لتأمين تمويل فوري بقيمة 800 مليون دولار لزيادة رواتب القطاع العام.

هذا القرار، وإن كان اضطرارياً كما وصفه الرئيس سلام لتجنب الاقتراض أو طباعة العملة، يُظهر “إدمان” الدولة على الضرائب غير المباشرة حتى وهي تخطط للخروج منها. إن زيادة كلفة النقل والضريبة على الاستهلاك تنعكس على أسعار كل السلع، ولها أثرا تضخمي مؤكد، ما يثقل كاهل الفئات الفقيرة والوسطى من حيث المبدأ، الأخطر أن أي قانون ضريبي تصاعدي سيصطدم حتماً بجدار مجلس نواب تهيمن عليه كتل مرتبطة عضوياً بالمصالح الاقتصادية الكبرى.

كما أن الإدارة الضريبية الحالية، التي تعاني من نقص في الكوادر المؤهلة والتكنولوجيا الحديثة، قد لا تكون قادرة على تتبع الأرباح الحقيقية للشركات الكبرى والممولين الميسورين، حتى لو أُقرّ القانون، فإن إدارة ضريبية منهكة، ضعيفة المكننة، مخترقة بالمحسوبيات، تجعل تطبيق الضريبة التصاعدية مهمة شبه مستحيلة في المدى المنظور، وقد تعجز عن تطبيقه على كبار المكلفين، فيما يبقى صغار الملتزمين الحلقة الأضعف، بكلام آخر العدالة الضريبية في لبنان ليست مسألة نص قانون، بل ميزان قوى.

الوعد الثاني: الأملاك البحرية… فضيحة دولة على الشاطئ

يتعلق بحصر التعديات على الأملاك البحرية والنهرية والعامة، وتقييمها بأسعار جديدة، وتحديث الرسوم، واستيفاء الجبايات المتأخرة. هذا الملف هو أحد أكبر فضائح الهدر المالي والإداري في لبنان، وهو الامتحان الأكثر إحراجاً للطبقة السياسية، فالأرقام المتداولة تكشف فضيحة مكتملة الأركان: أكثرية الشاطئ اللبناني محتلة، فيما تتلقى الخزينة فتات الرسوم.

الأرقام المتداولة صادمة، فوفقاً لتقديرات جادة، تفوق مساحة التعديات على الشاطئ اللبناني 10 ملايين متر مربع، أي ما يعادل 80% من الشاطئ، ويبلغ عددها أكثر من 1100 تعدٍّ، مقابل 70 ترخيصاً قانونياً فقط . تشغّل هذه التعديات منشآت سياحية خاصة تحرم الدولة والخزينة من إيرادات تقدر بنحو 120 مليون دولار سنوياً، فيما لا تجبي الدولة سوى أقل من 20 مليون دولار بسبب اعتماد تسعيرات متدنية للمتر المربع . والأخطر من ذلك، أن الخسائر المتراكمة على الدولة من جراء هذه المخالفات منذ عام 1994 تقدر بنحو 7 مليارات دولار .

المعضلة تتحول من فنية إلى سياسية. فغالبية هذه التعديات مملوكة لأشخاص يوصفون بـ”أصحاب النفوذ” و”أصحاب المنتجعات”، وقد منحت بعض تراخيصها بقوانين ومراسيم استثنائية، إن محاولة إعادة تقييم الرسوم أو إزالة التعديات ستواجه بإغراق الدولة بدعاوى قضائية، واستخدام الضغط السياسي والإعلامي، وتعطيل التنفيذ ميدانياً، وقد تتعطّل الملفات في أدراج المجالس البلدية أو القضاء الإداري الذي غالباً ما يميل إلى إصدار قرارات وقف التنفيذ لمصلحة المخالفين.

المشكلة هنا ليست نقص معلومات ولا غموضاً قانونياً. الجميع يعرف مواقع المخالفات وأسماء المستفيدين، لكن هذه التعديات تحوّلت عبر السنوات إلى جزء من نظام الريع السياسي، حيث تتداخل الحماية الحزبية مع المصالح التجارية ومع قرارات إدارية مفصّلة، والاختبار الحقيقي هنا ليس إصدار قرارات، بل القدرة على تنفيذها عندما تصل إلى أسماء “غير قابلة للمساس”.

الوعد الثالث: رسوم المقالع والكسارات

يتعلق بإصدار أوامر تحصيل رسوم المقالع والكسارات، وإلزام أصحابها بغرامات التأخير، واستيفاء الرسوم عن الرمال والصخور المستخرجة، هذا القطاع الذي يشكل ضرراً بيئياً كبيراً، هو أيضاً من أكثر القطاعات التصاقاً بالسياسة والنفوذ المحلي والعائلي.

الحكومة الحالية بدأت بالفعل بخطوات تنفيذية ملموسة، فقد أعلن رئيس الحكومة أن وزارة البيئة أنجزت أكثر من 1500 أمر تحصيل تتعلق بالضرر البيئي وكلفة التأهيل، ويجري العمل على إرسالها إلى المكلفين، الخطوة غير مسبوقة في سرعة تنفيذها، فيما باشرت وزارة المالية بإجراءات عملية ضد المكلفين المتقاعسين، حيث يتم إدراجهم على أنظمة الجمارك لمنعهم من الاستيراد أو التصدير، وهي إجراءات بدأت تؤتي أكلها مع تسديد عدد من كبار المكلفين لمتأخراتهم ، لكن التحدي الحقيقي يبقى في “الاستدامة” و “العمومية”.

فهل ستطال أوامر التحصيل الكسارات الكبيرة المملوكة لشخصيات سياسية بنفس القوة التي تطال بها الكسارات الصغيرة؟ وإذا حصل التهديد، فهل سينجح أصحاب النفوذ في تعطيل التنفيذ عبر اتصالات سياسية أو أمنية؟
تعلمنا التجربة اللبنانية الحذر، فهذا القطاع متشابك بعمق مع نفوذ محلي وحزبي وعائلي. والسؤال : هل ستصمد الإجراءات عندما تبدأ الاتصالات السياسية؟ هل يستمر التنفيذ عندما تتبدل الحكومة أو تتراجع الأولويات؟

أين يمكن أن تنجح الحكومة وأين ستُكسر؟

في ملف المقالع والكسارات ثمة فرصة نجاح معقولة لأن أدوات التنفيذ بدأت ولا تحتاج إلى معركة تشريعية كبرى، اما في الأملاك البحرية، فالامر اكثرتعقيدا بسبب التشابك السياسي-القانوني وقوة المستفيدين، وتبقى معركة الإصلاح الضريبي الشامل المعركة الاشد صعوبة لانها تمسّ قلب النظام الريعي الذي تحميه الطبقة السياسية.

وتحتاج الى إقرار قانون ضريبي تصاعدي عادل يتطلب معركة برلمانية كبرى، قد تطيح به أو تفرغه من مضمونه قبل إقراره. فكلما اقترب الإصلاح من جيوب النافذين، تراجعت فرص نجاحه. الإصلاح في لبنان لا يسقط بسبب نقص الدراسات، بل بسبب فائض الحمايات.

المطلوب اليوم ليس فقط قرارات حكومية، بل جعل هذه الملفات قضية رأي عام ضاغط يرفع الكلفة السياسية على أي معرقل، ويحوِّلها من قضايا تقنية إلى “خط أحمر وطني”، عندها فقط يمكن الحديث عن بداية استعادة الدولة، لا عن جولة جديدة في إدارة الانهيار، إن نجاح الحكومة في تنفيذ ولو جزء من هذه التعهدات سيعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، ويعيد للخزينة أموالاً يمكن أن تشكل أساساً للنهوض الاقتصادي المنشود.

السابق
منخفض قطبي يضرب لبنان: ثلوج حتى 900 متر وموجة جليد قاسية
التالي
جدول جديد لأسعار المحروقات اليوم… فكم بلغت؟