عَكَسَ المؤتمرُ الصحافي الذي عقده رئيسُ الحكومة هذه الليلة، حجم المأزق الذي تعيشه السلطةُ التنفيذية في البلاد.
فمع تصاعد الانتقادات لأداء الحكومة، وقرارها فرض ضرائب لتمويل زيادات الرواتب، بدا واضحاً أن المشكلة تتجاوز قراراً مالياً ظرفياً، لتصل إلى طبيعة الدور الذي أُنيط برئاسة الحكومة في النظام اللبناني.
«نواف سلام» بدا في مؤتمره الصحافي متوتّراً، مربكاً، حذراً، يحاول الدفاع أكثر ممَّا يشرح، ويبرّر أكثر ممَّا يعرض رؤيةً متكاملة. لم يكن المشهد مجرّد ردّ فعلٍ على انتقادات، بل تعبيراً عن موقعٍ سياسي مأزوم.
«رئاسةُ الحكومة» تتحمّل عبء الاقتصاد والمال والضرائب والرواتب والاقتراض، بينما تُحاط الرئاستان الأولى والثانية بهالاتٍ رمزيةٍ وسياسيةٍ تتجاوز حجم مساءلتها الفعلية
فماذا تكشفُ هذه الحادثة؟
تكشفُ أنّه في الممارسة السياسية اللبنانية، تُختزل وظيفةُ رئيس الحكومة عملياً بأربع مهمات أساسية:
- زيادة الرواتب
- تأمين الإيرادات عبر الضرائب،
- الاستدانة لتغطية العجز،
- رعاية المؤتمرات الدولية طلباً للتمويل
- التعيينات الإدارية التي تفرضها القوى الحزبية والطائفية
أي أنّه يتحوّل إلى ما يشبه «مدير صندوق» مالي أكثر منه صانع سياسات.
فإذا أخطأ، حُمِّل وحده المسؤولية.
وإذا تأخّر بإيجاد الحلول، اتُّهم بالعجز.
وإذا حاول المعالجة بما يملك من أدواتٍ محدودة، وُوجه بحملاتٍ شعبويةٍ وإعلامية جاهزة.
في المقابل، تقف بقيةُ الطبقة السياسية في موقع المراقب الناقد لا الشريك المسؤول؛ تضغط لإقرار زياداتٍ، ثم تتبرّأ من تبعاتها، رغم وجود ممثلين لها على طاولة مجلس الوزراء.
تدفع نحو قراراتٍ شعبوية، ثم تترك رئيسَ الحكومة في مواجهة الشارع الغاضب الذي غالباً ما يُستثمر سياسياً، خصوصاً قبيل موعد إجراء الانتخابات النيابية.
لو أُغلِقت مزاريب الهدر فعلياً، وتحقّق إصلاحٌ جدّي في الإدارة والرقابة، لتبدّلت معادلةُ الضرائب كلّها
وهنا تكمن المفارقة:
القوى السياسية ذاتها التي تعترض على فرض الضرائب، ارتبط اسمها تاريخياً بملفات الهدر الكبرى:
- الأملاك البحرية والنهرية،
- الكسارات،
- أموال الدعم،
- منصّة “صيرفة”،
- المرفأ، المطار والجمارك،
- اقتصاد المولّدات الكهربائية.
- الأزمة المصرفية وخسائر المودعين.
هذه ليست تفاصيل مالية، بل جوهر الأزمة البنيوية في لبنان.
فلو أُغلِقت مزاريب الهدر فعلياً، وتحقّق إصلاحٌ جدّي في الإدارة والرقابة، لتبدّلت معادلةُ الضرائب كلّها.
في النظام اللبناني القائم على التوازنات الطائفية والتوافقات السياسية، تتوزّع مراكز النفوذ داخل مؤسسات الدولة، بحيث لا تمتلك السلطةُ التنفيذية دائماً القدرة الكاملة على تفكيك شبكات المصالح الراسخة.
فعلى الرغم من أنَّ رئيس الحكومة يرأس السلطة التنفيذية وفق الدستور، إلا أنَّ آلية اتخاذ القرار في لبنان تقوم على التوافق السياسي أكثر ممَّا تقوم على مركزية القرار التنفيذي. وهنا يظهر ما يُعرف سياسياً بإسم «الدولة العميقة» – أي منظومة المصالح الإدارية والمالية والسياسية التي تستمر بغضِّ النظر عن تغيّر الحكومات، وتستطيع تعطيل أيِّ إصلاحٍ يمسّ مكاسبها.
في النظام اللبناني القائم على التوازنات الطائفية والتوافقات السياسية، تتوزّع مراكز النفوذ داخل مؤسسات الدولة، بحيث لا تمتلك السلطةُ التنفيذية دائماً القدرة الكاملة على تفكيك شبكات المصالح الراسخة
وهنا يُطرح السؤالُ الجوهري:
من أين لرئيس الحكومة أن يؤمّن التمويل لزيادة الرواتب، إذا كانت موارد الدولة الفعلية خارج سيطرة القرار التنفيذي الكامل؟
من هذه الزاوية، تبدو المشكلة أعمق من شخص رئيس الحكومة، كائناً مَن كان.
إنها أزمةُ موقعٍ في نظام يُحسن توزيع المكاسب عندما تتوافر، ويُحسن أكثر توزيع الخسائر عند الانهيار.
«رئاسةُ الحكومة» تتحمّل عبء الاقتصاد والمال والضرائب والرواتب والاقتراض، بينما تُحاط الرئاستان الأولى والثانية بهالاتٍ رمزيةٍ وسياسيةٍ تتجاوز حجم مساءلتها الفعلية.
وهكذا يُترك رئيسُ الحكومة في الواجهة:
يُطلب منه أن يمنع الانهيار، من دون أن يمتلك الأدوات الكاملة للإصلاح؛
وتُعلّق في عنقه كلفةُ القرارات؛
ويُنتظر منه أن يموّل دولةً لا يملك قرار تفكيك مزاريب هدرها.
وعندما يتعثّر، لا يُسأل النظامُ…
بل يُسأل الرجل.
هذه ليست أزمةَ رجٍلٍ، ولا خطأ قرارٍ معزول، إنها أزمةُ نظامٍ يُتقن توزيع الغُنُم، ويُتقن أكثر توزيع الغُرُم.

