لاشك ان الازمة اللبنانية بتشعباتها ومتفرعاتها عمرها قد زاد عن اربعين عاما ، اي منذ ان توقفت الحرب الاهلية في اواخر ثمانينات القرن الماضي ، حين توقف المدفع وتم إقرار استيعاب المليشيات في الدولة اللبنانية ، حينها بدأت الازمة بالفعل بعد ان صمدت الدولة وقطاعها العام على مدى خمسة عشر عاماً هي اعوام الحرب الاهليه البغيضة التي عصفت بلبنان، وعلى رغم كل ما تعرضت له الادارة العامة والقطاع العام في الدولة اللبنانية من ازمات ومشاكل بقيت الادارة العامة عصية على الاستباحة بهذا الكم الهائل من إدخال عناصر المليشيات وبقيت اجهزة الدولة الى حدٍ ما رشيدة ومحافظة على حجمها الطبيعي، حتى الميزانية العامة بقيت في حالة وفرة والعملة الوطنية حافظت على قيمتها الى حدٍ ما، وحتى في فترة عملية الاستيعاب بقيت الى حدٍ ما رشيقة ودخل اليها بعض النخب، إلا انه في الاعوام التي تلت تلك المرحلة ودخل قادة المليشيات الى الدولة بمسميات جديدة وزراء ونواب، حينها وقعت الطامة الكبرى حيث استُبيحت الدولة اللبنانية بكامل اجهزتها من جيش وقوى امن داخلي وامن عام ومن ثم إستُحدث جهاز امني جديد ليكون من حصة الشيعة الا وهو امن الدولة ،وجينها بدأت عملية تقاسم الدولة وتوزيعها على المليشيات الحاكمة وبدأت اكبر عملية حشو للموظفين في الادارة العامة وخصوصاً في بعض الوزارات ومؤسسات الدولة ، مثل وزارة الاعلام والمطار وشركة الطيران اللبنانية ” الميدل ايست- MEA ” وفي قوى الامن الداخلي واصبحت بعض الرئاسات ، رئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس النواب – محميات وإقطاعات تحتكرها طوائف معينة وبحكم الدستور.
إقرأ أيضا: لكمة قاسية من المحكمة العليا في وجه ترامب! وهجوم مضاد من بـ 10% ضرائب جمركية إضافية.. وركلة لإيران!
فالطائفة الشيعية وبحكم العرف اللبناني والذي يتفوق على القانون الدستوري في لبنان، اصبح للمجلس النيابي وتحديدا للرئيس نبيه بري حرساً فضفاضاً ويحتكر تعييناته وعديده وعتاده شخصاً واحداً هو نبيه بري وانشأ لنفسه مقراً خاصاً به اسوة بمقرات القصر الجمهوري والسراي الحكومي فتم بناء قصر خاص لإقامة الرئيس بري في منطقة عين التينة في غربي بيروت واتخذه حصناً خاصاً به وقد زاد عديد حرس مجلس النواب وتضخم كثيراً حيث بلغ تقريباً ما يزيد عن خمسة الاف عنصر ورتيب وضابط، ووحده نبيه بري زعيم حركة امل يحتكر التعيينات به كما هو من يقرر الرتب والرواتب دون الرجوع لقوى الامن الداخلي الذي يتبع لها حرس المجلس، حتى لمجلس النواب الذي يرئسه، واثناء ما سُمي ثورة ١٧ تشرين من العام ٢٠١٩، كان حرس المجلس يتصرف كمليشيا وليس كجهاز امني لبناني مهمته تأمين حراسة المجلس والنواب ورئاسته ، بل رغم عديده الفضفاض بقيت حراسة ومرافقة النواب معقودة لجهاز امن الدولة اللبناني .
هذه عينة على استباحة المليشيات لاجهزة الدولة اللبنانية بعد الطائف والذي لليوم لم يجري تطبيقه كاملاً بل اقتصر الامر على بعض العناوين العامة دون الخوض في كامل بنوده وخصوصاً تلك الاصلاحية منها، حتى قانون الانتخابات السابق منها والحالي يشكل مخالفة كُبرى للدستور اللبناني الذي أُقر تطبيقه بعد الطائف ولكن لإن المليشيات التي شاركت بالحرب الاهلية هي من يحكم اليوم أنشئت قانوناً للانتخابات يشكل مخالفة كُبرى لدستور الطائف، من دون ان يرف لقادة المليشيات تلك رفة جفن، لا بل يومياً وخصوصاً في هذه الفترة يُطلقون العنان لتصاريٍح وخطب رنانة حول حق المواطنين في الانتخاب وتطبيق القانون النافذ دون ان يتذكروا ولو لمرة واحدة ان القانون الحالي مخالفٌ للدستور الذي يجب ان يكونوا حريصين على المحافظة عليه وتطبيقه، وهنا لا يقتصر الامر على الموالاة بل موالاة ومعارضة مشاركين في مخالفة الدستور والقوانين لان في هذه المخالفة تأمين مصالحهم ويؤمن وصولهم الندوة النيابية وإعطائهم حصرية تمثيل الطوائف واحتكارها .
إقرأ أيضا: ليلة دامية في البقاع.. 9 شهداء و28 جريحا والجيش الإسرائيلي يزعم مهاجمة مقرات تابعة لـ«الحزب»
في ذلك عينة من استباحة الدولة اللبنانية من مليشيات الامس وقيادات اليوم ، ولنكون مُنصفين حتى المليشيات بعضها بسمنة والبعض الاخر بزيت حيث ليست عمليات الخرق بنفس الحجم ، فنتيجة الحرب الحرب الاهلية بعض الطوائف تضخمت وبعضها ونتيجة ازمات اقتصادية وغيرها تقلص عددها ، وبعض الطوائف قليلة العدد كالدروز والكاثوليك اصبحت طوائف درجة ثانية ومحرومة من وظائف وزارية معينة ، حيث تم تقسيم الوزارات الى سيادية وخدماتية وعادية وتلك الطوائف ممنوعة من تبوء بعض الوزارات بل هي حكر على الطوائف الكبرى ، كوزارة الدفاع مثلاً او الداخلية والخارجية والمالية ، وهذه ممنوع على الطوائف الصغرى تبوئها ، لا بل حالياً ومنذ فترة اصبحت بعض الوزارات حكرا على طائفة معينة ” كالمالية مثلاً ففي كل عملية تشكيل حكومة جديدة تُفتعل ازمة حول حقيبة المالية بحجة التوقيع الرابع الذي يجب ان يكون للشيعة وهذا ليس مخالفاً للدستور بل يُراد منه خلق عُرف جديد ، وللعلم في لبنان العرف اقوى من الدستور ومواده .
هذه عينة على بعض ماحصل بعد الحرب منذُ بداية تسعينات القرن الماضي والذي تلى وقف الحرب الاهلية والبدء بتطبيق مشوه لدستور الطائف ، على امل ان يتحرر الشعب اللبناني من الطائفية ، وتتغير الاجواء الحاكمة ويتم دخول نُخبٌ جديد تؤمن بلبنان الوطن وليس بلبنان مزرعة الطوائف .

