قدم رئيس تحرير موقع “جنوبية”، الكاتب والصحفي علي الأمين، رؤية استشرافية للمتغيرات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، بدءاً من كواليس المفاوضات الأميركية الإيرانية، وصولاً إلى المأزق الذي يعيشه “حزب الله” في لبنان، والخيارات المتاحة أمام الدولة اللبنانية لاستعادة سيادتها.
المفاوضات الإيرانية – الأميركية: نظام بين الاستسلام والانهيار
استهل الأمين حديثه بتسليط الضوء على الحراك الدبلوماسي الجاري، مشيراً إلى أن المفاوضات الأميركية الإيرانية تمر بلحظة حرجة، خاصة مع الأنباء عن استعداد إيراني لتقديم تنازلات جدية في الملف النووي تستجيب للمطالب الأميركية. واعتبر أن هذا التوجه الإيراني نابع من إدراك طهران لحجم الحشد العسكري الأميركي الاستثنائي والضغوط غير المسبوقة التي وضعت النظام في الزاوية.
استمرار النفوذ الإيراني هو مشكلة لبنانية وطنية عامة وليس شأناً شيعياً خاصاً
ويرى الأمين أن النظام الإيراني يواجه اليوم معضلة وجودية؛ فإما الاستسلام للشروط الأميركية التي تنزع عنه مبررات وجوده التي قامت عليها “الثورة” منذ عام 1979، وإما الذهاب إلى مواجهة عسكرية غير مضمونة النتائج ومحفوفة بالمخاطر على بقاء النظام نفسه. ورسم الأمين لوحة قاتمة للداخل الإيراني، مؤكداً فشل النظام في تحقيق التنمية الاقتصادية رغم الثروات الهائلة، حيث وصل الفقر إلى مستويات قياسية، مما أدى إلى فقدان النظام لحاضنته الشعبية وشرعيته الداخلية.
سيناريوهات التغيير في إيران: “أحمد الشرع” الإيراني؟
وطرح الأمين عدة احتمالات لمستقبل النظام في إيران، مرجحاً أن النظام بصيغته الحالية غير قابل للاستمرار. وتوقع ظهور حركة تصحيحية من داخل بنية النظام، تقودها نخبة تدرك عمق المأزق وتذهب نحو تغيير جذري في السياسات، يشمل التخلي عن الملف النووي، والصواريخ البالستية، والأذرع الإقليمية، وهو ما شبهه بنموذج “أحمد الشرع” الذي ظهر في سوريا. كما لم يستبعد سيناريو استهداف “النخبة الأولى” في القيادة الإيرانية لفرض واقع جديد، مشدداً على أن الولايات المتحدة تدرك تماماً ضعف النظام الإيراني الحالي وقابليته للسقوط أو التعديل الجذري.
حزب الله: أداة إيرانية في مهب العجز الميداني
وفي الشق اللبناني، وصف الأمين “حزب الله” بأنه مجرد أداة في يد المشروع الإيراني، تتحرك وفقاً لمصالح طهران دون أي اعتبار للمصلحة الوطنية اللبنانية. وانتقد الأمين بشدة أداء الحزب الميداني، مؤكداً أنه يثبت يوماً بعد يوم عجزه عن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، رغم ادعاءات القوة والقدرة.
النظام الإيراني يواجه اليوم معضلة وجودية؛ فإما الاستسلام للشروط الأميركية التي تنزع عنه مبررات وجوده التي قامت عليها “الثورة” منذ عام 1979، وإما الذهاب إلى مواجهة عسكرية غير مضمونة النتائج ومحفوفة بالمخاطر على بقاء النظام نفسه
واعتبر أن الحزب يعيش حالة من “الهذيان السياسي”، حيث يرفض تسليم سلاحه للدولة تحت ذريعة “الشرف” والمقاومة، في حين أن هذا السلاح لم يعد قادراً على حماية عناصره أو بيئته من الضربات الإسرائيلية اليومية. واتهم الأمين الحزب بأنه “يحمي سلاحه بالشعب اللبناني” بدلاً من أن يحمي الشعب بسلاحه، مشيراً إلى أن السلاح بالنسبة للحزب أصبح “غاية ومقدساً” بحد ذاته، لأنه يدرك أنه من دون هذا السلاح سيفقد مبرر وجوده وهويته كأداة أمنية عسكرية إيرانية.
مأزق الطائفة الشيعية: سجن المال والسلطة
وتطرق الأمين بمرارة إلى واقع الطائفة الشيعية في لبنان، واصفاً إياها بأنها “طائفة مأسورة ومسجونة” بقوة المال والسلاح والترهيب. وأكد أن 90% من اللبنانيين، بما فيهم قسم كبير من الشيعة غير المستفيدين من نظام المصالح المرتبط بالسلاح، يتوقون إلى الدولة والقانون وحصرية السلاح.
الحزب يعيش حالة من “الهذيان السياسي”، حيث يرفض تسليم سلاحه للدولة تحت ذريعة “الشرف” والمقاومة، في حين أن هذا السلاح لم يعد قادراً على حماية عناصره أو بيئته من الضربات الإسرائيلية اليومية
وحمل الأمين الطبقة السياسية اللبنانية مسؤولية “التواطؤ” مع الثنائية الشيعية، معتبراً أن استمرار النفوذ الإيراني هو مشكلة لبنانية وطنية عامة وليس شأناً شيعياً خاصاً.
إقرأ أيضا: بين التحقيق في سموم الجنوب ومعالجة رواتب القطاع العام: حزمة مقررات طارئة لمجلس الوزراء
وانتقد قيام الدولة بتخصيص مبالغ ضخمة (90 مليون دولار لمجلس الجنوب) تذهب في معظمها كـ “تنفيعات” تعزز سلطة الأمر الواقع، بدلاً من العمل على تخليص الطائفة والبلاد من عبء الوصاية الإيرانية.
رسالة إلى نعيم قاسم والسلطة اللبنانية
وجه الأمين نداءً حازماً للسلطة اللبنانية بضرورة وضع حد لمواقف مسؤولي حزب الله، وخص بالذكر الشيخ نعيم قاسم، قائلاً: “بأي حق وبأي منطق ديني أو قانوني تعرض بلداً وشعباً للمخاطر كرمال حرب في إيران؟”. ووصف وعود الحزب بالنصر عبر الشهادة بأنها “منطق مغامر لا يفقه شيئاً من القيادة”، مؤكداً أن حماية الشعب تقتضي التخلي عن السلاح وليس التمسك به كمتراس.
الجيش اللبناني ومعضلة القرار والهيبة
وحول زيارة قائد الجيش رودلف هيكل إلى واشنطن، أبدى الأمين تساؤلات حول مدى قدرة أو “رغبة” الجيش في تنفيذ مهمة حصر السلاح. ورأى أن المشكلة ليست في الكفاءة القتالية أو التسلح، بل في “القرار السياسي” المتردد. واستشهد بما حدث في منطقة “القصر” الحدودية، معتبراً أن تردد الجيش في فرض هيبته أمام تحركات “الأهالي” الموجهة يضعف صورة الدولة ويشجع على التطاول عليها. وأكد أن المطلوب هو فرض الهيبة وتطبيق القانون دون خوف من فزاعة “الحرب الأهلية” التي تُستخدم لمنع الدولة من ممارسة دورها.
إسرائيل والمشهد الجنوبي: استغلال “الغطاء الدولي”
وعن المستجدات في الجنوب، اعتبر الأمين أن إسرائيل تعيش “وضعاً مثالياً” لم تحلم به تاريخياً؛ فهي تنفذ آلاف العمليات والخروقات بغطاء دولي وصمت عالمي مطبق، مستغلة ذريعة وجود حزب الله الذي لم يعد يشكل تهديداً حقيقياً لها، بل باتت تستخدمه كشماعة لاستمرار عدوانيتها. وحول قضية “رش المبيدات” في الجنوب، دعا الأمين إلى التحقق الفوري من طبيعة هذه المواد عبر اليونيفيل والجهات الرسمية لمعرفة ما إذا كان هناك توجه لحرق الأراضي أو تسميمها لجعل الجنوب منطقة غير قابلة للحياة.
الثنائية الشيعية: بري وحزب الله في مركب واحد
حلل الأمين العلاقة بين الرئيس نبيه بري وحزب الله، مؤكداً أن بري كان مستفيداً دائماً من النفوذ الإيراني والوصايات المتعاقبة. ورأى أن بري يستشعر اليوم خطر الاقتراب الزائد من الحزب، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن انكسار حزب الله سيعني بالضرورة تراجع نفوذه الشخصي، مما يجعله يحاول الموازنة بين الحفاظ على العلاقة وبين امتصاص الضغوط الأميركية.
الانتخابات النيابية: إرادة التغيير وشرط الدولة
ختم علي الأمين حواره بالحديث عن الانتخابات النيابية القادمة، مؤكداً انخراطه فيها كـ “قضية مواجهة” مع الأحادية التي صادرت قرار الطائفة الشيعية وأوصلتها إلى نكبة غير مسبوقة. ورجح إمكانية حدوث “خرق شيعي” جدي، لكنه ربط ذلك بتوفر حد أدنى من هيبة الدولة وحياد القضاء والأجهزة الأمنية. وحذر من أنه إذا بقيت مراكز الاقتراع والمؤسسات الأمنية والقضائية تحت سطوة الحزب، فإن النتائج لن تختلف، داعياً اللبنانيين إلى التمسك بإرادة التغيير للخروج من المأزق الكارثي الحالي.
وقدم علي الأمين قراءة وصفت النظام الإيراني بـ”الغريب عن العالم” وحزب الله بـ”الأداة المأزومة”، معتبراً أن خلاص لبنان والشيعة يكمن في العودة الصادقة إلى كنف الدولة وتسليم السلاح، محذراً من أن الاستمرار في النهج الحالي لن يؤدي إلا إلى مزيد من “الاستشهاد المجاني” والدمار الشامل.

