منذ وصول العماد جوزاف عون إلى سدة الرئاسة، دخلت العلاقة مع حزب الله في نفق من التوجس المتبادل الذي سرعان ما تحول إلى قطيعة سياسية شاملة.
فبينما كان الحزب يمني النفس برئيس يمنحه “الغطاء الشرعي” لسلاحه وأجندته الإقليمية، أرسى الرئيس عون منذ لحظة دخوله القصر الجمهوري معادلة “السيادة أولاً”، مرتكزاً على شرعية مؤسساتية ودعم دولي وعربي واسع.
هذه العلاقة، التي بدأت ببرود حذر، انفجرت مع إصرار بعبدا على تفعيل منطق الدولة، مما جعل كل محاولات الحوار بين الضاحية والقصر تصطدم بجدار صلب من التمسك بالهيبة الوطنية.
إقرأ أيضا: إيران وحزب الله يستعدّان للضربة الأميركيّة المرتقبة..
في هذا السياق كشفت معلومات صحافية لجريدة “نداء الوطن” أن المساعي الدبلوماسية لترميم العلاقة المتصدعة بين بعبدا والضاحية قد اصطدمت بحائط مسدود، بعد المواقف الأخيرة للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم.
هذا التطور الدراماتيكي أعاد “اللقاء المنتظر” بين رئيس الجمهورية ورئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد إلى نقطة الصفر، مجهضاً شهوراً من التنسيق السري.
قنوات التواصل المنهارة
وكانت قناة التواصل التي فُتحت بين العميد أندريه رحال (مستشار الرئيس) وأحمد مهنا (مساعد رعد) قد نجحت فعلياً في تعبيد الطريق لزيارة رعد إلى القصر الجمهوري كبادرة لكسر الجليد. إلا أن إعلان الشيخ قاسم الصريح عن الجهوزية لخوض حرب “من أجل إيران” قلب الطاولة تماماً، واعتبرته بعبدا خروجاً صريحاً عن المصلحة الوطنية العليا.
رسالة بعبدا الحازمة: “لا جدوى للحوار”
ورداً على خطاب “الارتهان”، بعثت رئاسة الجمهورية برسالة شديدة اللهجة عبر وسطاء، مفادها: “ما جدوى الجلوس والحوار بعد كلام الشيخ نعيم؟”. هذه النبرة الحازمة تعكس حجم الاستياء الرسمي من تقديم الحزب لولائه الخارجي على حساب السيادة اللبنانية، مما أطبق طوق العزلة السياسية على الحزب حتى من جهة المؤسسات الرسمية.
تبريرات “عقائدية” لم تقتنع بها الرئاسة
وفي محاولة يائسة لاحتواء الموقف، حاولت الضاحية عبر قنوات غير رسمية تسويق تبرير مفاده أن كلام الشيخ قاسم يندرج في “الإطار الديني العقائدي” وليس السياسي، وأن الحزب لا يسعى لجر لبنان إلى مواجهة. إلا أن هذا التمييز بين “الديني” و”السياسي” لم يجد صدىً لدى الرئيس عون، الذي اعتبر أن التلويح بالحرب تحت أي مسمى هو تهديد مباشر لاستقرار البلاد في ظل ظروف إقليمية ودولية متفجرة.
الحزب وحيداً في “خندق” العزلة
وبهذا الانقطاع على خط بعبدا-الضاحية، يكتمل مشهد العزلة اللبنانية الشاملة للحزب. فلم تعد القطيعة محصورة مع المعارضة، بل امتدت لتشمل رئاسة الجمهورية، تزامناً مع استياء “عين التينة” وضغوط الخارج، ليجد الحزب نفسه “منفياً” سياسياً داخل مؤسسات الدولة التي كان يطمح للاتكاء عليها كغطاء شرعي.

