من «الهدنة» إلى «الميكانيزم»: تاريخ المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية وصراع السيادة تحت النيران

لبنان واسرائيل
رغم التمسك اللبناني بـ"الميكانيزم" والقرار 1701، إلا أن الرياح الأميركية تهب باتجاه مختلف. التسريبات الأخيرة عن مسؤولين أميركيين تشير إلى أن واشنطن باتت تعتبر الـ1701 "إطاراً قديماً" غير قادر على تحقيق الأمن المستدام.

يُعد تاريخ المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية سجلاً طويلاً من المحاولات الدبلوماسية التي اصطدمت دوماً بعقبات ميدانية وأيديولوجية. واليوم، وبينما تستعد لجنة “الميكانيزم” للاجتماع في الناقورة أواخر شباط 2026، يبدو أن هذا المسار قد وصل إلى مفترق طرق تاريخي؛ فإما العبور نحو “دولة السلاح الواحد”، أو الانزلاق نحو ترتيبات أمنية جديدة تفرضها موازين القوى الدولية.

محطات من الذاكرة: من 1949 إلى القرار 1701

بدأت رحلة التفاوض الرسمي باتفاقية الهدنة عام 1949، التي رسمت حدوداً مستقرة نسبياً لعقود. لكن التحول الأبرز جاء بعد الغزو الإسرائيلي عام 1982، ومحاولة إبرام اتفاق “17 أيار” 1983، الذي وُلد ميتاً بضغط من القوى الرافضة للتطبيع والتدخل السوري آنذاك.

بعد انسحاب عام 2000، تشكل ما عُرف بـ”تفاهم نيسان”، وصولاً إلى المحطة المفصلية في القرار 1701 (2006). هذا القرار لم يكن مجرد وقف للأعمال العدائية، بل أنشأ إطاراً تفاوضياً فريداً تمثل في “الاجتماعات الثلاثية” في الناقورة، حيث يجلس ضباط لبنانيون وإسرائيليون برعاية “اليونيفيل” لمناقشة الخروقات التقنية والحدودية دون اعتراف سياسي متبادل.

لجنة “الميكانيزم”: الأداة والرهان

في المرحلة الحالية، وتحديداً عقب اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، برزت لجنة “الميكانيزم” كأداة رقابية مدعومة من واشنطن وباريس. وظيفتها الأساسية هي الإشراف على تنفيذ بنود الاتفاق، وضمان عدم عودة المظاهر المسلحة إلى جنوب الليطاني.

إقرأ أيضا: سوريا تُربك الإقليم.. ولبنان على خط التحوّل

عودة عمل هذه اللجنة في 25 شباط المقبل برئاسة الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، تكتسب أهمية استثنائية. فهي تأتي في وقت تتصاعد فيه الخروقات الإسرائيلية اليومية، وتستمر إسرائيل في احتلال خمس تلال استراتيجية، مما يجعل الاجتماع المقبل اختباراً لمدى فاعلية “الدبلوماسية العسكرية” في لجم التصعيد البري.

دبلوماسية العماد هيكل: “حصر السلاح” كشرط دولي

لا يمكن قراءة تاريخ المفاوضات بمعزل عن دور الجيش اللبناني. الزيارة المرتقبة لقائد الجيش، العماد رودولف هيكل، إلى واشنطن مطلع الشهر المقبل، تمثل انتقالاً من “التفاوض على الحدود” إلى “التفاوض على السيادة”.

يسعى لبنان من خلال هذه الزيارة إلى تأمين غطاء سياسي وعسكري لخطة “حصر السلاح شمال الليطاني”. هذا المسار هو المطلب الدولي (والأميركي تحديداً) لضمان عدم انهيار اتفاق وقف إطلاق النار. إن نجاح الجيش في طرح “المرحلة الثانية” من خطته الأمنية سيعزز من موقف لبنان في مؤتمر باريس (5 آذار)، حيث يصبح دعم الجيش مرادفاً لاستقرار الحدود الشمالية لإسرائيل، وهو ما تريده واشنطن في هذه المرحلة.

الخيار الدبلوماسي: هل انتهى زمن 1701؟

رغم التمسك اللبناني بـ”الميكانيزم” والقرار 1701، إلا أن الرياح الأميركية تهب باتجاه مختلف. التسريبات الأخيرة عن مسؤولين أميركيين تشير إلى أن واشنطن باتت تعتبر الـ1701 “إطاراً قديماً” غير قادر على تحقيق الأمن المستدام.

المطلوب أميركياً الآن هو الانتقال من “اللجان التقنية” إلى “تفاوض سياسي عالي المستوى”، يهدف إلى إنشاء منطقة أمنية عازلة تتحول لاحقاً إلى منطقة اقتصادية. هذا التوجه يضع لبنان أمام معضلة: هل يقبل بتطوير “الميكانيزم” إلى اتفاق أمني-سياسي مباشر، أم يتمسك بالقرارات الدولية التي تضمن له السيادة دون تقديم تنازلات سياسية؟

مفاوضات تحت ظلال الـ B-52

إن تاريخ المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية يمر اليوم بأخطر مراحله. فبينما يخطط الجيش اللبناني لتعزيز وجوده وبسط سلطة الدولة، تتحرك حاملات الطائرات الأميركية في المنطقة للضغط على طهران وأذرعها.

النتيجة النهائية للمفاوضات الحالية لن تُقرر فقط في غرف الناقورة أو الإليزيه، بل ستعتمد على قدرة الدولة اللبنانية على إثبات جديتها في “حصر السلاح” قبل حلول موعد مؤتمر باريس. فالعالم اليوم لا يفاوض لبنان على “حقوقه” فقط، بل يفاوضه على “قدرته” على منع الحرب؛ وفي ظل “نهاية أسبوع عاصفة” محتملة إقليمياً، يبدو أن قدر الجيش اللبناني هو أن يكون المفاوض والضامن في آن واحد.

السابق
لجنة «الميكانيزم» تعود للاجتماع في الناقورة.. وتفاوض سياسي يلوح في الأفق!
التالي
بالفيديو والصور: فاجعة فجر السبت في طرابلس: انهيار مبنى سكني في القبة وعائلة كاملة تحت الأنقاض