في وقت تزدحم فيه أجواء المنطقة بحشود عسكرية غير مسبوقة وتدق فيه طبول مواجهة كبرى، يبدو الداخل اللبناني وكأنه يعيد رسم توازناته تحت وطأة الأمر الواقع. اللقاء الأخير الذي جمع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري في بعبدا، لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل كان محاولة اضطرارية لضبط إيقاع شارع سياسي كاد أن ينفجر تحت وطأة الخطاب الراديكالي الذي ينتهجه “حزب الله” تجاه مقام الرئاسة والجيش.
الحزب في “فخ” النبرة العالية
منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، يعيش “حزب الله” حالة من التخبط بين واقع ميداني مرير وفرضته الهزائم والضربات القاسية، وبين رغبة جامحة في الحفاظ على صورة “القوي” داخل المعادلة اللبنانية. هذه الرغبة تُرجمت مؤخراً عبر حملات إعلامية وتصريحات مسعورة طالت رئيس الجمهورية مباشرة، وصلت حد التلويح بعبارات صدامية مثل “طويلة على رقبتكن”.
إقرأ أيضا: لجنة «الميكانيزم» تعود للاجتماع في الناقورة.. وتفاوض سياسي يلوح في الأفق!
هذه النبرة التخوينية تعكس مأزقاً استراتيجياً للحزب؛ فهو من جهة لا يملك القدرة على تغيير المسار السيادي الذي يسلكه العهد والجيش بدعم دولي، ومن جهة أخرى يخشى أن يؤدي صمته إلى “تسييل” ما تبقى من نفوذه السياسي.
لكن المفارقة كانت في “تراجع” الحزب السريع ومحاولته لملمة الموقف عبر وسطاء، بعدما أدرك أن القوة التي كان يمارسها عبر “الشارع” لم تعد تجد صدىً في بعبدا، التي ترفض العودة إلى زمن “المقايضات” على حساب السيادة.
نبيه بري: براغماتية الحفاظ على “المقعد”
على مقلب آخر، لا يمكن قراءة حراك نبيه بري وتصريحه بأن لقاءه بعون “ممتاز” بمعزل عن الحسابات الباردة لـ “عين التينة”. بري، الذي يدرك أكثر من غيره أن السفن الدولية تبحر باتجاه “حصر السلاح” وبسط سلطة الدولة، يرفض أن يغرق مع “مركب” الحزب المتهالك.
إن محاولته لجم التصعيد لا تنبع من “مثالية وطنية” بقدر ما هي ضرورة للحفاظ على دوره كـ “محاور وحيد” يمثل المكون الشيعي في المحافل الدولية. بري يعلم أن التصادم مع بعبدا في هذا التوقيت يعني عزلاً كاملاً له عن مؤتمر باريس لدعم لبنان وعن قنوات التواصل مع واشنطن والرياض. لذا، هو يمارس لعبة “توزيع الأدوار” بذكاء ويتقدم بصفة “رجل الدولة” العقلاني ليحصد المكاسب السياسية ويحمي التوازنات التي تضمن استمراريته.
إعادة الإعمار وحصر السلاح: الدولة في مواجهة “الفوضى”
تحت غطاء هذا التوافق “عون – بري”، تبرز ملفات هي في صلب السيادة الوطنية، وأبرزها إعادة الإعمار. التوجه لطرح الخطة في مجلس الوزراء هو بمثابة “انتزاع” لهذا الملف من يد القوى التي كانت تستخدم “التعويضات” وسيلة للارتهان السياسي.
إقرأ أيضا: الأيوبي يُفند القرار الأميركي: «الجماعة» لم تضرب مصالح العرب ولا الغرب ومؤسساتها مدنية بامتياز
هنا، يجد حزب الله نفسه في موقف محرج؛ فهو لا يستطيع معارضة إعادة الإعمار، لكنه يخشى من أن يؤدي إشراف الدولة المباشر (مدعومة ببعبدا وعين التينة) إلى إنهاء مفاعيل “مؤسساته البديلة”. هذا هو الاختبار الحقيقي: هل سينجح “تفاهم الضرورة” بين عون وبري في تأمين الغطاء للجيش اللبناني لتنفيذ المرحلة الثانية من حصر السلاح، أم أن الحزب سيعود لاستخدام لغة التهديد كلما اقتربت الدولة من “مربعاته الأمنية”؟
إن لبنان اليوم لا يحتمل ترف المناورات. وإذا كان الحزب يرى في “الهجوم” خير وسيلة للدفاع عن مكتسباته المتلاشية، فإن نبيه بري اختار “البراغماتية” كسبيل وحيد للبقاء داخل اللعبة.
والحقيقة المرة التي يواجهها “حزب الله” هي أن زمن “تعطيل الدولة” قد استهلك طاقته، وأن التوافق الحالي بين بعبدا وعين التينة – مهما كانت دوافعه مصلحية – يشكل جداراً صلباً أمام محاولات اختطاف الاستقرار الداخلي مجدداً.

