خرج الشيخ نعيم قاسم ليخبرنا عن الديموقراطية، نعم، الديموقراطية تحديداً. لم يقلها مازحاً، قالها بجدية كاملة، كأنها نكتة لا يعلم أنها نكتة. جلس خلف المنصّة، محاطاً بالثقة والحراسة، وبدأ يشرح للبنانيين معنى (الحياة الحرة)، تماماً كما يشرح الصياد للسمكة معنى السباحة.
يقول الشيخ إن ترامب يريد أن يتدخل في كل مناطق العالم ليمنع الحياة الديموقراطية والحياة الإسلامية والحياة الحرة، تصريح شامل، كوني، فلسفي، يصلح ليُدرّس في مادة (الحرية المقارنة)، لولا تفصيل صغير، فالجهة التي تصدر عنها هذه الموعظة أمضت سنوات تشرح لنا أن الديموقراطية مؤامرة، وأن الحرية مشروع فتنة، وأن الصندوق الانتخابي محترم شرط ألا يغيّر شيئاً.
7 أيار: طبعة خاصة من الديموقراطية
وعندما نتذكر 7 أيار، نفهم أن الديموقراطية عند الشيخ ليست كذبة، بل طبعة خاصة. يومها، لم تُمنع الديموقراطية لأن أحداً يكرهها، بل لأنها لم تعطِ النتيجة المطلوبة. فاستُبدلت بصيغة أكثر فاعلية: ديموقراطية مع صوت إطلاق نار، ومشاركة وطنية مع سيطرة ميدانية، أسرع، أوضح، وأقل نقاشاً.
ثم ينتقل الشيخ إلى (الحياة الحرة). فالحياة الحرة في لبنان، حسب هذا التعريف، تشبه بطاقة الإنترنت: صالحة للاستخدام ضمن باقة محددة. يمكنك أن تتكلم، أن تكتب، أن تنتقد… إلى أن تقترب من السلاح، هنا تنتهي الصلاحية فجأة، من دون إنذار.
لقمان سليم، مثلاً، استخدم الحرية خارج الباقة، فاختفت الإشارة نهائياً. لا نقاش، لا رد، فقط صمت يقول كل شيء.
السلاح شأن لبناني لا يُسأل
ويؤكد الشيخ أن السلاح (شأن لبناني بحت). صحيح، لكنه شأن لبناني لا يُسأل، لا يُناقش، لا يُراجع، ولا يُسلَّم. شأن لبناني يشبه الطقس، موجود دائماً، لا أحد يعرف من يتحكم به، والجميع مطالب بالتأقلم.
هذا السلاح قرر متى تُقفل بيروت، متى تُفتح، متى تتشكل الحكومات، ومتى تتعطل. شأن داخلي، نعم، لكن بلا داخلية.
وعندما يقول شيخ الديمقراطية: (طويلة ع رقبتكن أنو نحن نتجرد من السلاح)، فهو لا يهدد، بل يختصر البرنامج السياسي كله في جملة واحدة: (لا تحلموا كثيراً). فالدولة فكرة جميلة، لكن السلاح فكرة أجمل، والسيادة مفهوم محترم، لكن البندقية أوضح.
وزير الخارجية وذروة الحرية
ثم نصل إلى فقرة وزير الخارجية. هنا تبلغ الديموقراطية ذروتها. الوزير إما يُغيَّر، أو يُسكَت، أو يُلزَم. ثلاث خيارات، تشبه لائحة مطعم لا يسمح لك بالطلب خارجها.
حرية رأي؟ نعم، ولكن رأياً واحداً فقط. أما الباقي، فخلل يجب إصلاحه.
ويتهم الشيخ الآخرين بالعبث بالسلم الأهلي. وهذا بحد ذاته مشهد كوميدي راقٍ. فالسلم الأهلي، في هذا الخطاب، كائن حساس جداً، كحساسية نعيم وبيئته. يهتزّ إذا كُتب مقال، ينهار إذا طُرح سؤال، لكنه لا يتأثر أبداً بالسلاح المنتشر، ولا بالفوضى، ولا بكوكب بعلبك الذي يعيش خارج أي فكرة عن الدولة، وكأنه تجربة حيّة لإدارة بلد من دون قانون، ثم تسويقه على أنه استقرار.
عندما يقول شيخ الديمقراطية: (طويلة ع رقبتكن أنو نحن نتجرد من السلاح)، فهو لا يهدد، بل يختصر البرنامج السياسي كله في جملة واحدة: (لا تحلموا كثيراً). فالدولة فكرة جميلة، لكن السلاح فكرة أجمل، والسيادة مفهوم محترم، لكن البندقية أوضح.
شعب لا يُهزم… لكن يُستنزف
ويطمئننا الشيخ في النهاية: (نحن شعب لا يُهزم). جملة قوية، لكنها تحتاج هوامش.
الشعب الذي لا يُهزم هو نفسه الذي انهارت عملته، تبخّرت ودائعه، هاجر شبابه، ويُطلب منه يومياً أن يصمد أكثر لأنه لم يصمد بما فيه الكفاية. الشعب لا يُهزم، لكن يبدو أنه يُستنزف بهدوء، فيما السلاح وحده يحتفظ بكامل صحته.
وعندما يتحدث الشيخ عن أن (لكل شيء حد)، لا بد من ضحكة مرّة. في سوريا، عندما طالب الناس بالحرية نفسها التي صارت اليوم مادة خطاب، لم يكن هناك حد. كان هناك براميل، حصار، تجويع، ومدن تمحى، ثم يُقال إن المشكلة في المتآمرين. هناك كانت الحرية تهمة، واليوم صارت شعاراً.
أما أكثر ما يلفت، فهو أن كل هذا الحديث عن الشجاعة، والكرامة، والشعب الذي لا يُهزم، يُقال من مكان آمن، بعيد، محصّن، بلا أي رغبة في اختبار هذه الثقة على الرصيف، بين الناس، من دون حواجز ولا مواكبة. شجاعة نظرية، ممتازة للإلقاء، أقل حماسة للتجربة، بينما بيئته تذوق الأمرّين نتيجة أوهامه ومحوره المهزوم أبداً.
هذا السلاح قرر متى تُقفل بيروت، متى تُفتح، متى تتشكل الحكومات، ومتى تتعطل. شأن داخلي، نعم، لكن بلا داخلية
وهم النصر وحقن التخدير
كل ما تفوّه به أتى عقب قرار ترامب برحمة إيران مؤقتاً، فظن نعيم أنه قد أماته كما أمات قبله نتنياهو رعباً. عاد وهم النصر، وعادت حقن التخدير لبيئته المسلوبة.
هذا ليس خطاب مقاومة، بل عرض ستاند-أب سياسي طويل، يعتمد على نسيان الجمهور لما عاشه، وعلى افتراض أن التناقض لا يُلاحظ إذا قيل بثقة.
ديموقراطية تُشرح بالسلاح، حرية تُدار بالتحذير، وسلام أهلي يعيش فقط طالما الجميع صامت.
نكتة ثقيلة، لكنها تُقال بجدية كاملة.

