تهديد الدولة بإسم المقاومة: قراءة في خطاب نعيم قاسم ومعادلة الخوف المفتوح

الشيخ نعيم قاسم

لم يكن كلام الشيخ نعيم قاسم حول الملف الداخلي اللبناني مجرّد موقف سياسي في لحظة توتّر، بل شكّل انتقالًا واضحًا في خطاب «حزب الله» من تبرير السلاح إلى ربط مصير اللبنانيين وأمنهم وسلامتهم ببقاء هذا السلاح، وصولًا إلى إطلاق تهديدات صريحة غير مسبوقة في لغتها وحدّتها، حين قال بوضوح: «إذا خربت الأمور كلها فلن يبقى حجر على حجر ولا أحد سيسلم إذا لم تسلم هذه المقاومة».

هذا النوع من الكلام لا يمكن قراءته كخطاب تعبوي داخلي فقط، بل كرسالة سياسية – أمنية موجهة إلى الداخل اللبناني قبل الخارج، تُعيد تعريف الدولة، والسيادة، والأمن، لا بوصفها مسؤولية وطنية جامعة، بل بوصفها امتيازًا مشروطًا بسلامة المقاومة وسلاحها.

من منطق الدفاع إلى منطق التهديد

في مواقفه الأخيرة، قدّم قاسم سردية متكاملة تقوم على تحميل العدوان الأميركي – الإسرائيلي، و”الكارتيل المالي والسياسي”، و”جماعة التعبئة للوصاية الأميركية” مسؤولية تعثّر بناء الدولة. غير أن الخطير في هذا السرد ليس الاتهام بحدّ ذاته، بل النتيجة التي يخلص إليها: لا استقرار سياسي من دون استقرار أمني، ولا استقرار أمني إلا ببقاء المقاومة وسلاحها خارج أي نقاش فعلي.

هنا، يتحوّل السلاح من أداة مواجهة خارجية إلى شرط وجود داخلي، ويُختزل مستقبل الدولة اللبنانية بمعادلة صفرية: إمّا القبول الكامل بسلاح الحزب ودوره، وإمّا الفوضى الشاملة وانهيار الكيان. هذا المنطق لا يشبه خطاب «المقاومة» كما رُوّج له سابقًا، بل يقترب من خطاب الابتزاز الوجودي الذي يضع المجتمع أمام خيار واحد لا بديل عنه.

«لن يبقى حجر على حجر»: لغة غير مسبوقة

العبارة الأخطر في خطاب قاسم ليست توصيفه لانعدام السيادة أو انتقاده الحكومة ووزير الخارجية، بل استخدامه لغة دموية – انتحارية لم يسبق أن صدرت بهذا الوضوح عن مسؤول بهذا المستوى في الحزب. فالتلويح بانهيار شامل، وبتدمير متبادل، وبأن «لا أحد سيسلم»، ينقل الحزب من موقع من يدّعي حماية اللبنانيين إلى موقع من يهددهم مباشرة بنتائج كارثية إذا ما تم المسّ بسلاحه.

يتحوّل السلاح من أداة مواجهة خارجية إلى شرط وجود داخلي، ويُختزل مستقبل الدولة اللبنانية بمعادلة صفرية: إمّا القبول الكامل بسلاح الحزب ودوره، وإمّا الفوضى الشاملة وانهيار الكيان.

هذه اللغة تخرج من إطار السياسة إلى فضاء الردع الداخلي، حيث يصبح المواطن نفسه موضوع التهديد، لا العدو الخارجي. وهي سابقة خطيرة لأنها تكسر أحد الخطوط الحمراء غير المعلنة في خطاب الحزب، الذي كان يحرص، حتى في أشد لحظات الصراع، على الفصل بين سلاحه وبين أمن اللبنانيين المباشر.

الدولة كوظيفة تابعة لا كمرجعية

حين يقول قاسم إن القرار 1701، وحصرية السلاح، والاستراتيجية الدفاعية «شأن لبناني بحت»، فهو لا يقدّم دعوة فعلية لنقاش سيادي داخل المؤسسات، بل يعيد تعريف «الشأن اللبناني» بوصفه ما تقرّره المقاومة. ويتجلّى هذا المنطق في تحميل الحكومة مسؤولية «إسكاته أو تغييره» وزير الخارجية، لا بوصفه اختلافًا سياسيًا، بل بوصفه تهديدًا للسلم الأهلي.

في هذا الإطار، تصبح الدولة جهازًا تنفيذيًا مطلوبًا منه تأمين الغطاء السياسي، بينما يبقى القرار الفعلي خارجها. وحين تُربط سلامة البلاد بسلامة المقاومة، تُفرّغ الدولة من معناها، وتتحوّل إلى كيان هشّ يعيش تحت سقف القوة لا تحت سقف القانون.

إلى أين يقود هذا الخطاب؟

الخطورة في خطاب نعيم قاسم أنه لا يكتفي برفض نزع السلاح، بل يعلن، صراحة أو ضمنًا، أن لبنان قد ينتهي قبل أن يُمسّ هذا السلاح. هذه ليست معادلة دفاعية، بل معادلة صدام مفتوح مع الداخل، تُراكم الخوف، وتعمّق الانقسام، وتدفع البلاد نحو حافة مواجهة لا رابح فيها.

حين تُربط سلامة البلاد بسلامة المقاومة، تُفرّغ الدولة من معناها، وتتحوّل إلى كيان هشّ يعيش تحت سقف القوة لا تحت سقف القانون.

في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، يبدو هذا الخطاب أقرب إلى إعلان استعداد لحرق الهيكل على من فيه، بدل البحث عن تسوية وطنية تعيد الاعتبار للدولة وتحمي المجتمع. وهو ما يضع اللبنانيين، مرة جديدة، أمام سؤال وجودي: هل يُبنى وطن تحت التهديد؟ أم أن التهديد بحدّ ذاته هو إعلان فشل المشروع الذي يرفعه أصحابه؟

السابق
نعيم قاسم يرفع السقف: «طويلة على رقبتكم» تسليم السلاح… واتهامات لرجّي بـ«التحريض على الفتنة»
التالي
إمبراطورية الشرّ في حماية مملكة الخير!