في بعلبك، لا حاجة لأن تسأل من يحكمك فكل شيء في المدينة يجيبك دون كلام.
من لافتة حزبية معلّقة على مدرسة رسمية، إلى مولّد كهرباء يحمل اسم زعيم، إلى شارعٍ تتوزّع عليه صور الولاء أكثر من أعمدة الإنارة، السلطة هنا ليست قرارًا يصدر من العاصمة، بل منظومة معقّدة من النفوذ تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد، والسلاح مع الخبز، والرمز مع الحاجة.
المدينة التي كانت يومًا بوابة الإمبراطورية الرومانية نحو الشرق، تحوّلت في حاضرها إلى مرآة مكشوفة لوجه الدولة اللبنانية حين تتفكك، قانون غائب، مؤسسات منهارة، ومواطن محاصر بين فراغ الدولة وتغوّل سلطات الأمر الواقع، يحاول النجاة في نظامٍ لا يعرف سوى ميزان القوة.
الهيمنة كفنّ للسيطرة على الوعي
غير أنّ الهيمنة في بعلبك لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل بالفكرة أيضًا، هي ليست مجرد حضورٍ مادي مسلح، بل فنٌّ عميق للسيطرة على الوعي.
فكل خدمة تُقدَّم مشروطة بالولاء، وكل غيابٍ للدولة يُملأ ببدائل حزبية متقنة التنظيم، هكذا يتشكّل اقتصاد الولاء ـ الوظيفة من الحزب، الدواء من الجمعية، الكهرباء من صاحب النفوذ، والأمان من الخوف ذاته.
المواطن في هذا السياق يدرك أن الاستقلال الشخصي رفاهية باهظة الثمن، وأن الحياد ليس خيارًا بريئًا بل مغامرة محفوفة بالعقاب، وهكذا تُختزل الحياة اليومية في معادلة دقيقة (البقاء لمن يُطيع).
اقتصاد الولاء وحدود النفوذ
الاقتصاد المحلي، بدوره، يعيد إنتاج هذه المنظومة بطريقة فاضحة، الأسعار ترتفع بلا منطق، والبطالة تتفاقم، والمشاريع الصغيرة لا ترى النور إلا حين تمر عبر بوابة النفوذ السياسي فيصبح العمل ذاته وسيلة للسيطرة، والرزق امتيازًا سياسيًا.
على حدود المدينة، يتقاطع المحلي بالإقليمي، فالحدود المفتوحة مع سوريا لا تحمل فقط البضائع، بل تنقل تأثير السياسات والتحولات الكبرى فينعكس كل توتر أو تقارب سياسي على أسواق بعلبك ومعيشتها اليومية.
وهكذا، يصبح المواطن جزءًا من مشهدٍ اقتصادي يتجاوز قدرته، تحكمه موازين لا يفهمها، لكنه يدفع ثمنها يوميًا.
ومع تعقّد المشهد المحلي، تزداد طبقات التأثير الإقليمي عمقًا فالنظام السوري الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بعد انفتاحه الاستثماري وجلبه استثمارات تجاوزت ٢٨ مليار دولار، أعاد رسم ملامح التوازن الاقتصادي في المنطقة، وامتدت ظلاله إلى بعلبك بشكل غير مباشر.
بعض طرق التهريب القديمة تحوّلت إلى شرايين اقتصادية شبه رسمية تغيّر خريطة النفوذ وتعيد توزيع المكاسب، والدولة اللبنانية تراقب ولا تسيطر، والأجهزة الأمنية تتحرك في الهامش، لتصبح المدينة نقطة تماس حيّة بين السيادة اللبنانية والواقع الإقليمي المتحوّل.
هنا تتبدّل مفاهيم السلطة نفسها فالمركز لم يعد في العاصمة، بل في الميدان، حيث تتقاطع مصالح الداخل والخارج في شبكة واحدة متداخلة يصعب تفكيكها.
النظام السوري الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بعد انفتاحه الاستثماري وجلبه استثمارات تجاوزت ٢٨ مليار دولار، أعاد رسم ملامح التوازن الاقتصادي في المنطقة،
الوعي الصامت والمقاومة الهادئة
في ظلّ هذه التشابكات، تتبدّى بعلبك كصورة مكبّرة للبنان نفسه، دولة لم تعد سلطتها عمودية كما في النموذج الكلاسيكي، بل شبكية متفرّعة تتنفس عبر الناس وتعيش على ضعفهم.
كل مواطن خلية في شبكة الولاء، وكل شبكة تغذّي أخرى، حتى يصبح الخوف شكلًا من أشكال النظام.
ومع ذلك، في المقاهي والبيوت، يتردّد همسٌ متكرر يلخّص وعي المدينة العميق:
“ما بدنا دولة قوية، بدنا دولة بس”.
هي عبارة بسيطة، لكنها تنطوي على إدراك جماعي بأن المشكلة ليست في ضعف الدولة بل في غيابها، وبأن الحق ليس هبةً من السلطة، بل واجبٌ عليها.
بعلبك هنا لا تبدو استثناءً جغرافيًا، بل تجسيدًا لتاريخ لبناني طويل من الإقطاعيات السياسية المتجددة، حيث المؤسسات غطاء للنفوذ، والمواطن يُدان حين يطالب بما هو حقٌّ بديهي.
ومع أن الواقع يبدو مغلقًا، فإن في النسيج الاجتماعي خيوط مقاومة خفية، الجيل الأكبر يفكر بالهجرة كخلاص فردي، بينما يتكيّف الجيل الأصغر داخل شبكة الخوف والولاء، متعلّمًا فنّ البقاء دون الخضوع الكامل.
ورغم ذلك، يبقى وعيٌ هادئٌ ومراوغ يتشكّل في الظل، وعي بأن الحقوق ليست مطلقة، لكنها لا تُلغى، وأن المطالبة بها رغم القيود هي شكل من أشكال المقاومة.
هذا الوعي الصامت، لا يرفع شعارات ولا يقيم ثورات، لكنه يرفض أن يختفي، وهذا وحده فعل سياسي في ذاته.
عودة مهرجان بعلبك
حتى الثقافة والفن في بعلبك لم يسلما من اختبار الموازين هذا، لكنهما بقيا مساحة رمزية للكرامة، فعودة مهرجان بعلبك الدولي ٢٠٢٥ لم تكن مجرد حدث فني، بل إعلانًا جماعيًا أن المدينة ما زالت قادرة على إنتاج معنى، رغم كل ما يُفرض عليها من صمتٍ وتبعية.
كان المهرجان، في جوهره، فعل مقاومة ناعمًا، يقول إن الهوية لا تُؤخذ بالقوة، وإن الذاكرة الثقافية قد تكون آخر ما يبقى حين تتهاوى الدول.
وهكذا، لا يمكن اختزال بعلبك في أزمتها المحلية، لأنها في الحقيقة مختبر مفتوح لفهم لبنان بأسره.
فهل يمكن لدولة أن تنهض إذا كان نفوذها مرهونًا بولاءات فوقها وتحتها؟
وهل يمكن لمجتمع أن يعيش إذا كانت حياته اليومية تُدار بالتخويف والتبعية بدل القانون؟
بعلبك لا تبدو استثناءً جغرافيًا، بل تجسيدًا لتاريخ لبناني طويل من الإقطاعيات السياسية المتجددة، حيث المؤسسات غطاء للنفوذ، والمواطن يُدان حين يطالب بما هو حقٌّ بديهي
في بعلبك، تُختبر الإجابة كل يوم، في طابور الفقر والحاجة، في فاتورة المولّد وقسط المدرسة، في غياب الأمن والأمان، في السلاح المتفلت والرصاص الطائش، في دوي القذائف الليلية بين الأحياء، وفي نظرة من يعرف أن الخبز ليس حقًا، بل منّةً مشروطة بالصمت.
إنها ليست مأساة مدينة واحدة، بل درسٌ في معنى الدولة حين تفقد روحها، وفي الإنسان حين يرفض أن يفقدها معه.
في هذه المدينة، يلتقي السياسي بالوجودي، والهيمنة بالهوية، ليذكّرنا أن بعلبك، رغم كل شيء، ما زالت تنبض بالحياة، لأنها لم تتوقف يومًا عن طرح السؤال الأهم:
من يحكم من، نحن أم الخوف؟
اقرا ايضا: محمد جواد خليفة يعود إلى الميدان الانتخابي..وعبدالله بري يدفع باسماعيل بديلا عن عزالدين في «صور»

