عبّر لبنان الرسمي عن بشكل واضح لبلوغ حلّ يوفّر الأمن والاستقرار في المنطقة الجنوبية، ولا يمسّ بسيادته ويضمن انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين، وتصدر الموقف الأخير لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالدعوة إلى مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، واجهة المشهد السياسي في لبنان لأيام، وسط إجماع شبه تام تقوده شخصيات أساسية في الدولة، أبرزها رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري.
وفي المستجدات أن المفاوضات كانت محور تداول في اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري في القصر الجمهوري في بعبدا أمس، والذي اكّد بعده رئيس المجلس رداً على سؤال: «اللقاءات دائماً ممتازة مع فخامة الرئيس».
وجاء ذلك بالتزامن مع جملة مواقف أميركية، ومع اجتياح الطيران الإسرائيلي المسير لكل الأراضي اللبنانية، بما فيها أجواء قصر بعبدا، الأمر الذي استدعى الوقوف عنده على أكثر من صعيد.
إقرأ أيضا: منظور شخصي – سوريا ولبنان هما القطعتان التاليتان في طريق سلام المشرق
مقال مطوّل نشره المبعوث الأميركي توم برّاك على حسابه عبر منصة “إكس” بعنوان “سوريا ولبنان: الخطوة التالية نحو سلام شامل في الشرق الأوسط”، وأكد فيه أهمية قيام لبنان بنزع سلاح “حزب الله” قبل أن تقوم إسرائيل بذلك.
كما أعلن مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية مسعد بولس، أن “محادثات السلام في المنطقة قد تتوسع لتشمل سوريا ولبنان”.
تهديد براك للحزب
وكان اللافت في مقال براك ما يشبه التهديد المبطن بقوله: “إذا لم تتحرك بيروت، فسيواجه الجناح العسكري لـ “حزب الله” حتمًا مواجهة كبرى مع إسرائيل في لحظة قوة إسرائيل ودعم إيران لـ “حزب الله” في أضعف نقاطه”.
الملف التالي هو لبنان
وقرأت مصادر سياسية بارزة وثيقة الصلة بالموقف الأميركي أبعاد ما صرّح به برّاك. وقالت لـ “نداء الوطن” في هذا الصدد: “إنه حراك استراتيجي ويأتي ضمنه كلام برّاك. فهو قال إنه في حال لم تقدم الدولة اللبنانية على خطوات لنزع سلاح “حزب الله ” فسيترك الأمر لإسرائيل وينعكس تداعيات على الملف اللبناني. أهمية الموقف الذي أعلنه برّاك هي في توقيته، وهو الأول من نوعه بعد قمة شرم الشيخ ومبادرة رئيس الجمهورية في اتجاه المفاوضات وحلّ المشاكل العالقة بين لبنان وإسرائيل”.
وقالت المصادر: “نتحدث عن دخول أميركي متجدد على الخط للقول إن الملف التالي هو لبنان، فلا يفكرن أحد بأن هذا الملف منسي، وأن لبنان على الرف الأميركي. بل بالعكس، ستكون الخطوة التالية في لبنان بعد غزة. هذا تحذير قبل العاصفة كي يأخذ لبنان بالاعتبار أن تلافي هذه العاصفة سيكون بنزع سلاح حزب الله. فإذا لم يقدم على ذلك، فسيكون لبنان في قلب العاصفة”.
إقرأ أيضا: المفاوضات تنتظر واشنطن..ولبنان على خط النار بين الحرب والدبلوماسية
وخلصت المصادر إلى القول: “استراتيجيًا، بدأ موضوع سلاح “الحزب” يتحرك من الباب الأميركي بعد قمة شرم الشيخ بدعوة بيروت إلى أن تقدم، لأنه من الواضح أن “حزب الله” ليس في وارد التخلي عن مشروعه المسلح”.
وبالسياق نقلت صحيفة الجمهورية “الجمهورية”، عن مصادر وصفتها بالموثوقة عأن المواقف الأميركية الأخيرة تظهر رغبة أميركية بإعادة تحريك المسار السياسي على جبهة لبنان، لبلوغ حلّ او اتفاق او تفاهم يتوازى من الإنجاز الأميركي في غزة، يمهّد له بوقف لإطلاق النار لمدة 60 يوماً، وورقة توم برّاك تشكّل الأساس لذلك، وتلقّى لبنان إشارات مباشرة بهذا المعنى من برّاك نفسه، وعلى هذا الأساس جاء الطرح باستعداد لبنان لإجراء مفاوضات غير مباشرة برعاية أميركيّة، على شاكلة ما جرى في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية.
وبحسب المعلومات الموثوقة، فإنّ الأميركيين كانوا مرتاحين للتجاوب اللبناني مع طرحهم المتجدد بإطلاق مسار الحل السياسي، إلّا انّ هذا الطرح لم يعمّر طويلاً، إذ سرعان ما بردت حماسته، حتى لا نقول إنّه تمّ التراجع عنه بشكل نهائي، حيث اصطدم بالرفض الإسرائيلي، ما أعاد الأمور إلى المربّع الاّول، وأبقى الوضع في دائرة التصعيد الذي تمارسه إسرائيل. وأما ما يعني الطرح اللبناني حول المفاوضات غير المباشرة، فهو لم يعد قائماً، أقلّه في هذه المرحلة». وعلى ما يقول رئيس مجلس النواب نبيه بري بعد فشل الطرح الأميركي «لم يعد هناك مسار قائم سوى العمل بحسب الآلية المعتمدة حالياً ضمن اللجنة الخماسية (الميكانيزم)».
مخاوف من تصعيد إسرائيلي
كما نقلت الجمهورية عن مصادر أنّ ما يثير المخاوف، هو أن تبادر إسرائيل في المرحلة الراهنة إلى التدرّج التصعيدي في اعتداءاتها، في محاولة واضحة منها لفرض مزيد من الضغط على لبنان لجرّه إلى التسليم والموافقة على عقد مفاوضات مباشرة معها، لتحقيق هدفها الجوهري بالوصول إلى تطبيع وفق شروطها مع لبنان.
وعلى هذا الصعيد نقلت صحيفة “نداء الوطن” أن دولًا أوروبية وغربية أبلغت عددًا من المنظمات المدنية العاملة في لبنان بتوخي الحيطة والحذر في الأيام المقبلة وعدم التنقل إلا للضرورات القصوى واقتصار عملها في لبنان على الضروريات القصوى وتجنب الذهاب إلى مناطق الجنوب والبقاع ومحيط الضاحية الجنوبية.
المفاوضات بين عون وبري
وأتت هذه التطورات فيما كان رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري يبحثان في لقاء جمعهما في بعبدا في وضع الجنوب والقصف الإسرائيلي المستمر ووضع لبنان بعد اتفاق غزة، ونقلت صحيفة “نداء الوطن”، أن البحث بين الرئيسين تناول بشكل أساسي مسألة التفاوض مع إسرائيل. وبعدما طرح الرئيس عون سابقًا تجربة التفاوض على الحدود البرية، ركز الرئيس بري على تفعيل عمل الميكانيزم خصوصًا أنها تضم جميع الأطراف المعنية بهذا الموضوع، وجرى التشاور بين عون وبري وتم الاتفاق على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة قبل تبني أي شكل من أشكال التفاوض خصوصًا أنه يجب معرفة رأي إسرائيل وأميركا في هذا المجال.
الموقف الرسمي
وبالسياق قالت مصادر رسمية لصحيفة “الجمهورية” أنّ الموقف الرسمي موحّد حيال هذه المسألة، اولاً، بالتأكيد على وقف العدوان الإسرائيلي وتحقيق الانسحاب من الاراضي اللبنانية المحتلة وإطلاق الاسرى، وثانياً، بالتأكيد على المفاوضات غير المباشرة، وثالثاً، بالالتزام الكلي باتفاق وقف العمليات الحربية المعلن في 27 تشرين الثاني من العام الماضي، وبمندرجات القرار 1701، ولبنان قام بما هو مطلوب منه في هذا المجال، والشاهد الأساس قوات «اليونيفيل» ولجنة «الميكانيزم»، ورابعاً، بالرفض القاطع لما يسمّى «التطبيع الواضح» او ما يسمّى «التطبيع المقنّع» مع إسرائيل. وهذا الموقف مبلّغ بصورة واضحة إلى كلّ الاطراف المعنية في الداخل والخارج».
إقرأ أيضا: فوق القصر الجمهورية.. مسيّرات اسرائيلية تخرق بشكل فاضح السيادة اللبنانية!
وعلى الرغم من تعثّر الطرح الأميركي، تؤكّد المصادر الرسمية عينها «انّ حركة الاتصالات، لم تتوقف، سواء على الخطوط الداخلية او على الخطوط الخارجية»، وتجزم بأنّ «الامور ليست مقفلة بالكامل، وخصوصاً أنّ الحل السياسي بين لبنان وإسرائيل يشكّل اولوية وهدفاً بالنسبة إلى الأميركيين، ومن هنا من غير المستبعد أن يعطى هذا الامر بعض الزخم في المدى المنظور، الذي قد يتزامن مع حضور مباشر للموفدين على خطّ تحريك مسار الحلّ السياسي».

