تميَّز لبنانُ، وجوديّاً، ومنذ العام 1975 م إلى اليوم، بأنّه ليس سوى بلدِ حروبٍ أهليّة إقليميّة، ألحقت به وصمةً لا يستحقّ صفةً سواها، وهي “لعنة لبنان”. وهذه هي الوصمة التي يصطلحها للبنان، اصطلاحاً حقيقيّاً (لا مجازيّاً)، الروائيّ والكاتب اللبنانيّ محمد أبي سمرا، في كتابه الجديد الصادر حديثاً عن “دار رياض الريّس” في بيروت، في طبعة أولى 2025، تحت عنوان: “لعنة لبنان (شهاداتٌ ومساراتٌ في الحرب الأهليّة الإقليميّة)”.
هذا الكتاب يُؤرِّخُ تاريخَ هذه اللّعنة، تأريخاً يمتاز بالعمق الموضوعيّ (وعلى مستوياتها المُتداخلة حُكماً: الداخليّة/الأهليّة والخارجيّة/الإقليميّة). وهو عُمقٌ نَهضت مُقوِّماتُه على القاعدة ذات المعطيات التحقيقيّة الآتية: كيف ولماذا، وعلى يدِ مَن، وُلِدت هذه اللّعنة؟ وكيف ولماذا استمرّت، وعلى يدِ مَن؟ ولماذا وكيف لا تُنذِر – وبحسب استشرافات سرديّتها في هذا الكتاب – إلا بعدم انتهائها؟!
محتويات الكتاب وبنية السرد
تتكوّن محتويات هذا الكتاب من مقدّمة وثمانية فصول.
ولقد شاء أبي سمرا أن يكون نصّ مقدِّمة الكتاب مرثيّةً لبلاد الركام والندم (وهذا هو عنوانها حرفيّاً)، وجاء فيها:
“أَلا يسأم البشر من التّكرار؟
وهل يتوقّف لبنان عن اجترار حروبه الأهليّة – الإقليميّة؟
بعد 50 سنة على بدايتها عام 1975، ووقفها بإرادة إقليميّة – دوليّة جسّدها “اتّفاق الطّائف” عام 1989، لا تزال الجماعات اللبنانية تعيش حتى اليوم (2025) ارتجاجات استبطانها إرث تلك الحرب. وهي استدخلته وصهرته في “غرائزها” الطائفيّة، فصار مركَّباً استأنفته مُحوَّراً، وبأشكالٍ وألوان كثيرة وبمقادير متفاوتة في ميادين حياتها كلّها.”
اقرأ أيضاً: بين الأسطورة والواقع ..«الجنّ» في الذاكرة الشعبية
الذاكرة الجماعية للحرب
“وبقدر ما لابَس هذا المركَّب المتحوِّل ملابسةً حميمة وقويّة حياة اللبنانيين، اجتماعهم وعلاقاتهم السياسية، عمرانهم ونمط عيشهم ولغتهم، ظلّ هامشيّاً وضعيفاً فهمُه، تعقّله وتفسيره والتأريخ له، والحدّ من فاعليّته. وهذا قياساً إلى قوّة حضوره العميق والمؤثِّر في تاريخ الجماعات واجتماعها الحيَّين أو المَعيشَين، وفي مصائرها الغامضة والمجهولة.
في لبنان المعاصر السابق على الحرب، كانت الجماعات الأهلية الطائفية تقيم في مناطق ودوائر سكنية متجاورة، يقوم بينها تعارف أهليّ وعائلي، بلدي وتقليدي. وفي الدوائر الكثيرة التي كان يتداخل فيها سكنُ شُطور جماعاتٍ أهلية متباينة، كان التداخل يُضعِف ملامح ناتئة من هويّات سكانها من دون أن يقوى على تذويبها أو محوها…”
الحرب كـ “نظام سياسي” متوارث
“وهكذا أصبحت الحروب الأهلية الإقليمية وإرثها الثقيل المتناسل في لبنان، ثم في بلدان عربية عدة، “نظاماً سياسياً” (وضاح شرارة) راسخاً ومتصلّباً. وخَلُصَ أحمد بيضون إلى أنّ هذا النظام الجديد “صعبٌ إصلاحه”، إن لم يكن “المعجزة الحقّة”. وكتب محمد العبدالله في مطلع قصيدة له تتردّد فيها أصداء حرب لبنان، أنّه “للتكرار يؤلف حتى تعجز كلّ خليقة هذا الله”.”

كتاب يوثّق الحروب عبر السّير والشهادات
“يروي هذا الكتاب سِيَراً وشهادات ومسارات جزئية في حروب لبنان. وربّما لو توافرت تقاليد ومؤسسات ثقافية بحثية نشطة وراسخة، ومبادرات وفنون كتابيّة متنوعة، تتكفّل تسجيل التأريخ الحيّ (الشفوي) لذاكرة الناس الحية عن حياتهم وتجاربهم في زمن الحرب…
وقد يشكّل ما يرويه هذا الكتاب عيّنة من هذا النوع من التأريخ التحتي الحيّ وتعدُّد أشكاله وأساليبه الكتابية عن الحرب، في السّير الفردية والجماعية، وفي مسارات الأجيال والمناطق والجماعات، منذ عام 1975 وحتى اليوم.”

