من المتبرعين إلى الصورة: أي بيروت تضيء صخرة الروشة؟

الروشة

عند كل كارثة تضرب بيروت، يظهر وجهها الحقيقي: ناس يركضون نحو المستشفيات للتبرع بالدم، شبان يحملون المصابين، نساء يفتحن بيوتهن للغرباء.

هكذا كان المشهد بعد تفجير البيجير، حين اصطف المئات من أبناء العاصمة ليهبوا دمهم للمحتاجين من ضحايا تفجير البيجر. هؤلاء، بأجسادهم ودمائهم، صنعوا الفعل الإنساني الأجمل، وأثبتوا أن بيروت قادرة على التضامن الوطني بأهلها.

لكن بدل أن ترفع صور هؤلاء المتبرعين أو تضاء صخرة الروشة بكلمة “شكرا بيروت”، كان من الممكن ان يتفاجأ الناس بيوم مجيد ٧ ايار وبصورة الزعيم تحتل واجهة البحر. لم تسلط الأضواء على التضحيات الصامتة، بل على رمز حزبي اختصر المشهد كله في صورة واحدة، وكأن بيروت مدينة بلا ناس، بلا وجوه، بلا دماء مجهولة المصدر.

الروشة: ملكية عامة أم لوحة إعلانات حزبية؟

صخرة الروشة لم تكن يوما ملكا لحزب أو جماعة. هي معلم طبيعي، رمز لمدينة وهوية لعاصمة. تحويلها إلى لوحة إعلانية سياسية حزبية تأتمر من ولاية الفقيه يعني انتزاعها من الفضاء العام وإلحاقها بخطاب فئوي. إنها رسالة مزدوجة: للدولة ومدى قوتها في فرض سلطتها عبر منع تنظيم هذا الفعل، ولأهل بيروت الذين حجب حضورهم الحقيقي خلف قداسة الصورة.

من يستحق الضوء؟

من يستحق أن تضاء له الصخرة؟ المتبرع المجهول الذي مد يده بدمه، أم زعيم تسبب بحرب وخسر امام اسرائيل الذي يستحضر في كل مناسبة لفرض الولاء للفقيه؟ الجواب بديهي عند الناس، لكنه ليس كذلك في حسابات القوى التي تملك السلاح و المال والإعلام والقدرة على استملاك الرموز العامة.

بين التضامن والاستعراض

الإضاءة يمكن أن تكون فعلا جامعا حين تحمل معنى وطنيا أو إنسانيا عاما: مثل مكافحة السرطان، دعم الصليب الأحمر، أو التضامن مع ضحايا كارثة تفجير المرفا و المدنيين الذين سقطوا اثر العدوان الإسرائيلي. أما حين تتحول إلى صورة لشخص واحد، فهي تعكس عقلية الاستحواذ، حيث يمحى الفعل الجماعي أمام الأيقونة الفردية.

ما اراده حزب الله لم يكن مجرد إضاءة لصخرة، بل تحدي حقيقي لمعنى بيروت: هل هي مدينة ناسها الذين يهبون الدماء بصمت، أم مدينة الصور التي تفرض على صخرتها لتقول ما يريده حزب الفقيه لا ما فعله الناس؟ في النهاية، بيروت أكبر من صورة، وأكبر من اي زعيم حتى وان سقط شهيدا واغتالته اسرائيل .

بيروت مدينة ناسها، وهؤلاء وحدهم يستحقون الضوء.

اقرا ايضا: ضغوط أميركية متزايدة على لبنان وإيران تلوّح بالتصعيد وترفض التفاوض مع واشنطن

السابق
ماكرون وروبيو يشددان على استقرارلبنان ..وإيران تواصل الرهان على حزب الله
التالي
السعودية تحتفل بعيدها الوطني في بيروت.. وبخاري يجدد دعم المملكة للبنان ويشدد على حل الدولتين