ضغوط أميركية متزايدة على لبنان وإيران تلوّح بالتصعيد وترفض التفاوض مع واشنطن

عون وروبيو

رغم أنّ المشهد اللبناني يتوزع هذه الأيام بين الداخل المضطرب، وزيارات نيويورك الرسمية، والجبهة الجنوبية المفتوحة على مزيد من التصعيد، إلّا أنّ الأنظار السياسية تركزت في الساعات الثماني والأربعين الأخيرة على المواقف العاصفة التي أطلقها الموفد الأميركي إلى لبنان توم برّاك. فقد تبيّن أنّ برّاك تعمّد إطلاق تصريحاته النارية قبيل لقائه في نيويورك مع الرئيس جوزف عون، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والموفدة مورغان أورتاغوس.
المعطيات الرسمية التي وزعتها البعثة اللبنانية اكتفت بعرض ما دار من أحاديث بروتوكولية، لكن مصادر سياسية مطلعة أكدت أنّ مضمون تصريحات برّاك مثّل بمثابة “إشعار رسمي” من واشنطن بأنّها غير راضية عن مسار حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية والجيش، وفق الخطة التي أقرّها مجلس الوزراء في الخامس من أيلول. هذا التطور زاد المخاوف من أن تستغله إسرائيل لتكثيف غاراتها وعملياتها في الجنوب، كما يستفيد منه “حزب الله” لتصعيد خطابه ضد الحكومة واتهامها بالرضوخ للضغوط الأميركية.
وفي الداخل، قرأت الأوساط السياسية توقيت كلام برّاك في إطار الضغط المباشر على الرئيس عون عشية لقائه الوزير روبيو، بهدف دفع بيروت إلى إعادة النظر في آليات تطبيق خطة حصرية السلاح.

عون يطالب واشنطن بدعم الجيش وتثبيت وقف النار

على خط موازٍ، حمل لقاء الرئيس عون مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو دلالات مهمّة. فقد شدّد عون على ضرورة إلزام إسرائيل بتطبيق اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 لوقف الأعمال العدائية في الجنوب، وانسحابها من النقاط التي ما زالت تحتلها، إضافة إلى الإفراج عن الأسرى اللبنانيين وتطبيق القرار 1701 بكل مندرجاته. كما طلب دعماً أميركياً إضافياً للجيش اللبناني بالعتاد والتجهيزات، باعتباره القوة الشرعية الوحيدة القادرة على بسط سلطتها على جميع الأراضي اللبنانية، إضافة إلى حثّ واشنطن على دعم مؤتمر دولي مخصّص لإعادة إعمار لبنان.
روبيو، من جهته، أكّد استمرار الدعم الأميركي للبنان، مشيداً بالجهود التي تبذلها السلطة لإعادة بناء مؤسساتها وتجاوز الأزمات. غير أنّ كلامه لم يكن كافياً لتبديد الغيوم الثقيلة التي خلّفتها تصريحات برّاك، إذ بقيت الشكوك اللبنانية قائمة حول الموقف الحقيقي لواشنطن، ومدى استمرارها في مساعدة بيروت مقابل الضغوط المتزايدة بشأن سلاح “حزب الله”.

إيران: لا تفاوض مع واشنطن.. والمقاومة باقية!

في موازاة هذه التطورات، جاء الموقف الإيراني ليزيد من منسوب التوتر. ففي رسالة مسجّلة، أعلن المرشد الأعلى علي خامنئي بوضوح أنّ المفاوضات مع الولايات المتحدة لن تخدم مصالح إيران وستصل إلى “طريق مسدود”، مؤكداً أنّ بلاده لن تتخلى عن برنامج تخصيب اليورانيوم ولن تخضع للضغوط الغربية، مع إعادة تأكيد الموقف التقليدي بأنّ طهران لا تنوي إنتاج سلاح نووي.
خامنئي استعاد أيضاً شخصية الأمين العام الراحل لحزب الله، حسن نصرالله، واصفاً إياه بأنه “رصيد عظيم للعالم الإسلامي”، ومعتبراً أنّ إرثه باقٍ ولن يزول. هذا الخطاب ترافق مع مواقف لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي أكد أنّ عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول 2023 كانت قراراً مستقلاً من “حماس”، نافياً أي دور مباشر لإيران أو “حزب الله”. ورأى قاليباف أنّ العملية كشفت فشل إسرائيل استخبارياً، مشدداً على أنّ دعم طهران للمقاومة يأتي في إطار حماية أمنها القومي ومنع تمدد إسرائيل حتى حدودها. كما كشف أنّ زيارته الأخيرة إلى لبنان خلال الحرب جاءت لتقديم مشورة ميدانية لفصائل المقاومة، خصوصاً في إطار عمليات “الوعد الصادق”.
بهذا المعنى، تلاقت رسائل خامنئي وقاليباف على تأكيد أنّ إيران ماضية في خيار التصعيد وعدم الانفتاح على أي مفاوضات مع واشنطن، ما يزيد من صعوبة المشهد الإقليمي وينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية الهشة.

الجنوب ينزف: تشييع في بنت جبيل واعتداءات متواصلة

في الوقت نفسه، يدفع الجنوب اللبناني مجدداً ثمن التصعيد. فقد شيّعت مدينة بنت جبيل شهداءها الخمسة في مأتم مهيب اقتصر على المراسم الدينية ورفع الأعلام اللبنانية فقط، من دون خطابات سياسية. الضحايا هم رب العائلة شادي شرارة وأطفاله الثلاثة هادي وسيلين وسيلان، إلى جانب الشاب محمد مروة. المشهد كان مؤثراً بحضور الوالدة أماني بزي على كرسي مدولب من مستشفى الجامعة الأميركية لتودّع أولادها.
ميدانياً، واصل الجيش الإسرائيلي اعتداءاته عبر إطلاق النار من موقع الرمثا باتجاه خراج كفرشوبا، وإلقاء قنابل حارقة في أحراج عيتا الشعب ما أدى إلى اندلاع حرائق. كما حلّقت الطائرات المسيّرة فوق الجنوب وسقطت إحداها في بلدة بليدا وأخرى في مقر اليونيفيل برأس الناقورة. وفي حادثة أخرى، اعترض أهالي بلدة الشهابية دورية أممية دخلت البلدة من دون مرافقة الجيش اللبناني، ما يعكس حجم التوتر والانقسام في البيئة الجنوبية.
بين ضغوط واشنطن، وتشدد طهران، ودماء الأبرياء في الجنوب، يبدو لبنان عالقاً بين مسارين متوازيين: مسار ضغوط دولية تدفعه نحو خيارات صعبة، ومسار مقاومة مدعومة إيرانياً يزداد تصلباً. وفي ظل هذه المعادلة القاتمة، يبقى البلد الصغير على شفير تصعيد مفتوح قد تتجاوز تداعياته حدوده.

اقرا ايضا: عاقبة خامنئي.. كأس السم أم شراب الشهادة؟

السابق
بالفيديو.. جواد نجل «السيد» يثير الجدل بالحديث عن عودة والده «بعد 60 يومًا»
التالي
بالفيديو: مشاهد تُعرض للمرة الأولى عن لحظة اغتيال «السيد»