كلام المبعوث الأميركي توم بارّاك في بيروت أعاد لبنان إلى واجهة التجاذب الإقليمي والدولي. فقد وصف حزب الله وإيران بـ”الأعداء”، محمّلاً الحكومة اللبنانية مسؤولية إعادة الحزب بناء قوته العسكرية، في إشارة قرأتها مصادر دبلوماسية غربية على أنها بداية مرحلة جديدة من التصعيد. وبحسب هذه المصادر، فإن الولايات المتحدة منحت لبنان مهلة شهر واحد لإظهار جدية في مسار حصرية السلاح بيد الدولة، فيما تنتظر واشنطن موقفاً رسمياً لبنانيًا من تصريحات بارّاك، التي أثارت استياءً عميقاً في بيروت.
رئيس مجلس النواب نبيه بري لم يتأخر في الرد، مؤكداً أنّ توصيف الموفد الأميركي “مرفوض شكلاً ومضموناً”، ومجدداً الثقة بالجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الوحيدة القادرة على صون السيادة وحماية السلم الأهلي، رافضاً أي محاولة لتحويله إلى “حرس حدود لإسرائيل”.
إسرائيل تكثّف ضرباتها
على الأرض، يترافق هذا السجال مع ارتفاع وتيرة الغارات الإسرائيلية على الجنوب، حيث استهدفت مواقع ومخازن لحزب الله، إضافة إلى عمليات تصفية طالت كوادر بارزين. لكن الضربة الأخيرة التي أودت بحياة عائلة بأكملها، بينهم ثلاثة أطفال، أثارت المخاوف من تحوّل نوعي في استراتيجية إسرائيل، قد يمهّد لمرحلة أكثر دموية.
مصادر ديبلوماسية حذّرت من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يخطط لتوسيع المواجهة إلى جبهات غزة واليمن أيضاً، مدفوعاً بأزماته الداخلية واقتراب الاستحقاق الانتخابي. وتوقعت هذه المصادر أن يترجم التصعيد عملياً فور عودته من نيويورك بعد اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
واشنطن سلّمت الملف لإسرائيل
صحيفة “الأخبار” نقلت عن مصادر متابعة أنّ إسرائيل أعادت الملف اللبناني إلى رأس أولوياتها، ليس لوجود خطر آني، بل لعدم قدرتها حتى الآن على استثمار الحرب داخلياً. وتشير المعلومات إلى أنّ حزب الله يعمل بكثافة على إعادة ترميم قدراته العسكرية وتنظيم صفوفه، في وقت يعتبر الأميركيون أنّ الحكومة اللبنانية لم تظهر الحزم الكافي.
وبحسب الصحيفة، فإنّ إسرائيل أبلغت الجانب الأميركي أنها غير معنية بالمهل الزمنية المتداولة لإنجاز تسوية كبرى قبل نهاية العام، مؤكدة استمرارها في سياسة الاغتيالات والغارات ورفضها تعديل مهام قواتها في لبنان أو إطلاق سراح الأسرى. وذهبت أبعد من ذلك بالسعي إلى شطب القرار 1701 من التداول وفرض واقع جديد، بالتوازي مع مفاوضات مع دمشق حول إنشاء منطقة منزوعة السلاح حتى مشارف العاصمة السورية.
جوزاف عون يطلب ضمانات من واشنطن
في المقابل، حمل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ملف لبنان إلى نيويورك، حيث التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، مطالباً بتأكيد التزام إسرائيل بما نص عليه إعلان 27 تشرين الثاني 2024 لوقف الأعمال العدائية، وبانسحابها من النقاط التي لا تزال تحتلها، إضافة إلى إطلاق الأسرى اللبنانيين.
عون شدّد أمام روبيو على ضرورة دعم الجيش اللبناني بالعتاد والتجهيزات ليتمكن من بسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية، كما طالب بمساندة الجهود لعقد مؤتمر دولي مخصص لإعادة إعمار لبنان. من جهته، أكّد روبيو استمرار الدعم الأميركي، مثنياً على جهود عون والحكومة اللبنانية في مواجهة التحديات، لكن دون تقديم ضمانات حقيقية حول السلوك الإسرائيلي المستقبلي.
لبنان في مهب المواجهة
في المحصلة، يواجه لبنان لحظة شديدة التعقيد. إسرائيل تسرّع خطواتها التصعيدية على الأرض، فيما واشنطن تلوّح بتحميل الدولة اللبنانية المسؤولية الكاملة عن سلاح حزب الله، في وقت يطالب الداخل بدعم الجيش وتحصينه كخيار وحيد لحماية السيادة. وبينما تتقاطع الحسابات الأميركية والإسرائيلية عند هدف واحد هو إضعاف الحزب، يبقى السؤال الأساسي: هل يتمكن لبنان من تجنّب الانزلاق نحو مواجهة شاملة جديدة، أم أنّ الأشهر المقبلة ستشهد سقوط كل التفاهمات السابقة، وعلى رأسها القرار 1701، في ظل سباق محموم على رسم مستقبل الجنوب؟
اقرا ايضا: يوم الحساب: من جحيم القتل إلى محاكمة «الشيعية السياسية»

