على عادتِنا، نحنُ البشرَ، نجعلُ من الحدثِ «ذكرى» ومنَ اليوم «مناسبة» لإحيائها. لكنَّ السُّؤالَ المُلِحَّ في حضرةِ التَّأريخِ لمثلِ هذا اليوم هو: كيف للمرء أنْ يؤرِّخَ لانفتاحِ أبواب الجحيم عليه؟ بأيِّ لُغةٍ من لُغات أهل الأرضِ تُحكى حكايةُ موتِنا؟ بل أيُّ صفحةٍ منها كانت تُكتبُ في هذا اليوم؟ ما الذي كُتبَ تحديدًا في هذا اليوم؟ يومَ قامَ النَّاسُ منَ الأجداثِ إلى الأجداثِ، ليسَ لأيِّ امرِئٍ منهم شأنٌ يُغنيه عنِ الفرارِ من الموتِ النَّازِلِ منَ السَّماءِ والصَّاعدِ إليهم من الأرضِ؛ ومن تحتِها. وليسَ لأيِّهم مَفرٌّ منَ السُّؤالِ الأشدِّ قتْلًا: أينَ المَفرُّ؟ وليسَ لأيِّهم جوابٌ سوى: إلى القتلِ يومئذٍ المُستقرُّ! كأنَّ القتلَ صارَ أحدَ آلهةِ الأرض، بل صارَ إلهَها المُنتصرَ على سواه. فكيفَ، إذن، تُحكى الحكاية؟ وكيف تُتلى على النَّاس آياتُ الموتِ الذَّليل؟ إلى أينَ يفِرُّ المرءُ منَ الصَّوتِ الصَّارخِ بينَ الأرض والسَّماء: يا ابنَ آدم، منَ القتلِ وإلى القتلِ تعودُ!
هي الجريمةُ أنْ يُقدَّمَ الحدثُ كما لو أنَّه موتٌ جماعيٌّ أرادَه اللهُ، أو القدرُ، أو الطَّبيعةُ أو غيرُ ذلكَ ممَّا يُكتَبُ في سِجِلِّ الآلهةِ من أسماء.
موت على الهامش ومذبحة مكتوبة بالدم
من دلائلِ ذُلِّنا في هذا الشَّرقِ اللَّعين، وفي أوْسَطِه الأشدِّ لعنةً، وفي هذا البَلَدِ اللَّعنةِ؛ من دلائلِ ذُلِّنا في هذه البُقعةِ البائسةِ منَ الأرضِ أنَّ موتَنا يبقى دائمًا على هامشِ الحدث. ليسَ عندي ذاكَ الحُلُمُ الورديُّ؛ حُلُمُ الألفِ السَّعيد، ولا اليومِ السَّعيد حتَّى؛ أنْ نأتي على يومٍ لا نُقتَلُ فيه. القتلُ باتَ سُنَّةَ الإنسانِ في الأرضِ، وأمارةٌ من أماراتِ الوجود فيها. إنَّما الحُلُمُ أنْ نرتقِ إلى يومٍ يكونُ فيه قتلُ الواحدِ مِنَّا كقتلِنا كُلِّنا؛ أنْ يبعثَ فينا قتلُ رجلٍ واحدٍ ما تبعثُه إبادتُنا التي ألْفَيْناها وألِفناها. كأنَّ المذبحةَ هذه كانت ضالَّتَنا ووجدناها يومَ الثَّالثِ والعشرين من أيلول بعدَ أنْ بحثنا عنها طويلًا، ومهَّدنا لها بكُلِّ ما أوتينا من وهمٍ وغباء، وبكُلِّ ما أوتِيَ سائقونا إليها من تألُّهٍ دمويٍّ وإجرامٍ مُتجدِّدٍ.
من هُنا، إنَّه لا يَقِلُّ جُرمًا عن القتلِ الذي أُلحِقَ بنا أنْ يُختزَلَ هذا اليومُ بمن قُتِلَ منَّا ومَنْ نجا. بل هي روحُ الجريمةِ والإمعانُ فيها أنْ يُسكَتَ الصَّوتُ بحُجَّةِ أنَّه لا يعلو على صوتِ الدَّم، تمامًا كما أُسكِتَ طويلًا بحُجَّةِ أنَّه لا يعلو على صوتِ المعركة. هي الجريمةُ أنْ يُقدَّمَ الحدثُ كما لو أنَّه موتٌ جماعيٌّ أرادَه اللهُ، أو القدرُ، أو الطَّبيعةُ أو غيرُ ذلكَ ممَّا يُكتَبُ في سِجِلِّ الآلهةِ من أسماء. هي الجريمةُ الأشدُّ منَ القتلِ أنْ نتعاطى مع الحدثِ كما لو أنَّ أحدًا لم يؤسِّسْ له طيلةَ عُقود؛ كأنَّه ليسَ ثمَّةَ من قادَنا إلى هذه النَّار وألقانا بعدَ أنْ ألقى نفسَه فيها.
الشيعية السياسية: من الاستكبار إلى يوم الحساب
فالتَّأريخُ لهذا اليومِ ليسَ تأريخًا لقتلِنا وحسب، بل لكُلِّ مَنْ قادَنا إليه طائعينَ لم يُكرِهْنا أحدٌ سوى الذَّاتِ المريضةِ التي نحملُها والأوهامِ التي ربَّينا أنفسَنا عليها. هو يومُ حسابِنا في هذا العالَم؛ يومُ حِسابِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ التي أسَّستْ لهذه الهزيمةِ في اللَّحظةِ التي اعتقدَتْ فيها أنَّها لا تُهزم. وعلى ذِمَّةِ التَّاريخ، إنَّ حسابَ الجماعاتِ في هذه الأرضِ تحصيلُ حاصِلٍ لحسابِ مَنْ يقودُها؛ فإنِ اتَّقَ القائدُ نُعِّمَتِ الجماعةُ وإذا طغى أُلقِيَ وإيَّاها في الجحيم الذي فُتِّحَتْ أبوابُها علينا، وتداركْنا فيه لا نَسألُ عن شيءٍ سوى الدَّرْكِ الأسفلِ منه. نَسألُ أحدَ زبانيةِ جحيمِنا: هل وصلْنا إلى دَرْكِنا الأسفلِ، فنحنُ حقًّا مُتعبون؟ لكنَّه يقولُ لنا: لا تتعبوا، اصبروا فثمَّةَ دَرَكاتٌ بعدُ. فيَهتِفُ له الجمعُ بالتَّلبيةِ والولاء. وعلى ذِمَّةِ التَّاريخِ أيضًا، الجحيمُ دائمًا تتَّسِعُ للمزيد، ودركَاتُها لا تنتهي حتَّى يَنتَهي نُزلاؤها أو يرجِعونَ عن سبيلِها.
هو يومُ حسابِنا في هذا العالَم؛ يومُ حِسابِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ التي أسَّستْ لهذه الهزيمةِ في اللَّحظةِ التي اعتقدَتْ فيها أنَّها لا تُهزم.
المحاكمة الكبرى: الشعوب بين الجهل والعدل
إنَّه يومُ حسابِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ، وحسابِنا كُلِّنا مِن ورائها، عن كُلِّ شيء: عن استصغار العالَمِ واستكبارِ نفسِها؛ عن طُغيانِها وضعفِها؛ عن أوهامِها وأحلامِها؛ عن الكِتابِ الذي تلتْه علينا وعملتْ بغيرِه؛ عن الغَيبِ الذي أشركتْه في أمرٍ نأى بنفسِه عنه يومَ انقطعَ ما يربِطُ السَّماءَ بالأرضِ وظلَّ مُتَّصِلًا ما يربِطُ الأرضَ بالسَّماء. إنَّه يومُ حسابِها بعدَ أربعةِ عقودٍ من الاختبارِ والامتحان؛ يومٌ لم ينفعْها فيه مالٌ ولا سلاح، فالقلبُ لم يكنْ سليمًا أبدًا، بل طافحًا بالكذبِ والشَّقاءِ. والعقلُ كان مشغولًا بالتَّأصيلِ للجهل والوهم القاتِلَيْن. إنَّهُ اليومُ الذي أُسكِتَ فيه صوتُنا، وَفَرَّ فيه عنَّا من لُقِّنا أنَّه المُوكَلُ من الإله الأصمِّ بحمايتِنا نيابةً عنه وعن وُكلائه الأرضيِّين. إنَّه اليومُ الذي حاكَمَنا فيه العالَمُ، كُلُّ العالَم، على العيشِ فيه بغيرِ أدواتِه ووسائلِه؛ وساءَلنا عن لُغتِنا التي لا تُشبِهُ لغتَه، وعن العصا التي سنُحاربُ بها الطَّائرة، وعن النَّفقِ الذي أردنا أنْ نُطفِئَ منه عينَ الشَّمس!
لقدَ حاكَمَنا العالَمُ وحكمَ علينا. مرَّةً أخيرة، على ذِمَّةِ التَّاريخ أيضًا، إنَّ مُحاكماتِ الشُّعوبِ لا تنتهي إلَّا حينَ تُحاكمُ الشُّعوبُ أنفُسَها وتُسائلُ منْ يسوقُها إلى الموتِ أو يُعلِّمُها ويُربِّيها على السَّيْرِ إليه، وتَحكمُ على نفسِها وعليه بالحقِّ والعدل!
إقرأ أيضا: واشنطن تحذر.. الفرصة الأخيرة للبنان قبل السقوط في الخطأ التاريخي!

