في حزيران، حين كانت العطلة الصيفية تبدأ، كان بيت الجدة في حي القلعة ببلدة عبّا يتحول إلى ملتقى الطفولة والشباب. أبناء العمومة يجتمعون في باحة البيت أو في الساحات الترابية ليؤلفوا فريقاً لكرة القدم. الوالد والعم يشجعان، والعم إبراهيم رحمه الله يمدّ الفريق بالكرة الأصلية من ماركة معروفة، فتغدو اللعبة أكثر من تسلية. تصير حدثاً عائلياً واجتماعياً، يتجاوز حدود الملعب الترابي إلى نسيج البلدة كلها.
مباريات موسمية شعبية
كانت البداية في سن العاشرة مع فريق “النسور”، ثم وُلد فريق “البراعم”، كامتداد لنادي البراعم في النبطية. لم يكن الأمر مجرد مباراة، بل تظاهرة مصغرة. العائلات تنتظر العائدين من بيروت في الصيف، والشباب يسارعون لتأليف فرقهم. فريق “الفجر الرياضي” كان أبرزها. الملعب قطعة أرض مزروعة بالقمح، تُعزل من الحجارة وتُقام لها مرمى من خشب أو من حجارة. الحكم عادة من أبناء “البيّارته”، خبير بالتحكيم ومن أنصار نادي النجمة.
كانت مباريات عبّا مع الفرق المجاورة أشبه بمهرجان شعبي. القرية كلها تهجر بيوتها إلى البيدر. الجمهور يتحلق حول اللاعبين، يهتف ويغني ويطلق الزغاريد عند تسجيل الأهداف. الخسارة تُقابل بالتحايل أحياناً: تبديل المواقع، اعتماد العنف الخفيف في الدفاع، أو اقتحام الجمهور للملعب عند اقتراب النهاية. وإذا انسحب الفريق الضيف، انطلقت مسيرة الفرح في أزقة البلدة، الكأس مرفوع على سيارة، الأطفال يركضون خلفها، النساء يطلقن الزغاريد، وكأن البلدة كلها حققت نصراً وطنياً لا مجرد فوز رياضي.
في السبعينيات، دخلت اللعبة من ساحات البيوت البسيطة، حيث كانت الكرة تصنع من قماش قديم أو من كلسات الشتاء. أصوات الصراخ تعلو حين يُكتشف “سرقة” الثياب لصناعة الكرة، والآباء لا يترددون في العقاب. مع الثمانينيات، تحولت اللعبة إلى فرق منظمة أكثر تدريباً، يحظى بعضها بدعم مالي من الكبار، فازدادت جدّية اللعبة، وأخذت مساراً رياضياً واضحاً.
تنافس بين العصبيات المناطقية
كرة القدم في عبا لم تكن مجرد رياضة. كانت تعبيراً عن هوية جماعية، عن روح القرية وتضامن أبنائها. الانتماء للفريق كان انتماءً للحي والعائلة، وأحياناً للبلدة في مواجهة القرى المجاورة. العصبية المناطقية كانت تطفو أحياناً، لكنها لا تترك أثراً عميقاً. كان الصراع ينتهي بالمصالحة، يزور المختار الوجهاء، وتعود الحياة إلى مجراها الطبيعي.
لكن مع تغير لبنان، ومع أزمات الحرب والأحزاب، تحولت المنافسة البريئة إلى حدة أكبر. القوى السياسية دخلت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وامتدت المنافسة حتى بين أبناء البيت الواحد. التكنولوجيا غزت البيوت، وقلّت اللقاءات العائلية. ما كان في الأمس ملعباً جماعياً صار اليوم شاشة هاتف أو مباراة إلكترونية. خفتت الحماسة، وبهتت العفوية التي كانت تحيي القرية كلها.
إن استعادة تلك الروح ليست نوستالجيا فارغة. هي دعوة إلى إعادة القيم الاجتماعية التي جمعت الناس على هدف واحد. كرة القدم كانت مدرسة في التضامن، في الصبر على الخسارة، وفي الفرح الجماعي بالنصر. المجتمع اللبناني، الذي عرف كيف يواجه المحن، يحتاج اليوم أن يستعيد تلك الروح: أن يلتقي في الساحات لا في العزلة، أن يحتفل بالنصر المشترك لا بالانقسام، وأن يعيد للعائلة والقرية دورها التربوي والثقافي.
إذا أراد لبنان أن يحافظ على كينونته الفريدة في الشرق، عليه أن يعيد إحياء قيم التضامن التي صنعت روحه. كرة القدم في الساحات الترابية ليست مجرد ذكرى طفولة، بل درس حيّ بأن العمل الجماعي قادر أن يواجه أقسى الظروف. فهل نستطيع اليوم أن نتعلم من تلك المباريات البسيطة كيف نصنع فريقاً وطنياً أكبر، يتجاوز الفردية والانقسام نحو مستقبل يليق بتاريخنا وجغرافيتنا وإنساننا؟
اقرا ايضا: بين الأسطورة والواقع ..«الجنّ» في الذاكرة الشعبية

