في الجنوب الذي عرف حزب الله في بداياته مقاومًا، يقف اليوم كثير من الأهالي أمام مشهد مغاير: قيادات تختبئ خلف جدران البلاغة تفصلها عن القيادات السابقة مسافات كبيرة من الخبرة، فيما يتكاثر الأسى في البيوت التي ينتظر أبناؤها “كفّالة” غابت أو تقلّصت، بعد أن شحّت الأموال الإيرانية وتقطعت السُبل من وإلى طهران.
يعاني حزب الله، وفق مراقبين مطلعين على شؤون الحزب، من أزمة متعددة الأوجه: مالية وتنظيمية ومعنوية. فمنذ أشهر طويلة، خفّت وتيرة الدعم المالي القادم من إيران، بعد اشتداد العقوبات وتقلّص الموازنات المخصّصة لفروع الحرس الثوري في الخارج. ومع هذه الأزمة، بدأت تظهر ملامح الارتباك داخل الحزب، خاصةً في القدرة على تأمين رواتب مقاتليه، وتمويل شبكاته الاجتماعية والخدماتية التي طالما استخدمها كأداة نفوذ.
إقرأ أيضا: جلسة الحكومة المصيرية تلهب الشارع اللبناني: هل يُحسم ملف السلاح اليوم؟
بحسب مصدر مقرب من إحدى البلديات الجنوبية، فإن التراجع المالي ترجم فعليًا بانحسار المشاريع الإنمائية التي كان الحزب يرعاها في القرى، وانخفاض رواتب العاملين في مؤسساته، الأمر الذي انعكس استياءً واضحًا لدى العشرات من العائلات التي اعتادت على دعم شهري ثابت منذ سنوات. هذا التقلص، وإن بدا في ظاهره مؤقتًا، إلا أن تداعياته باتت ملموسة في الحاضنة الشعبية، حيث بدأت الأصوات ترتفع في المجالس الخاصة: إلى أين يأخذنا الحزب؟ ومن يدفع الثمن؟
ولا تقتصر أزمة حزب الله على المال وحده. فضعف القيادة الحزبية بدا جليًا في التعامل مع الأحداث المتسارعة، لا سيما في الجنوب، حيث تتعرض وحداته العسكرية لاستهدافات متكررة، أدّت إلى مقتل عدد كبير من القيادات الميدانية، من دون أن يصدر الحزب مواقف حاسمة أو استراتيجية واضحة. “القرار ليس بيدهم”، يعلّق أحد أبناء بلدة في بنت جبيل، مشيرًا إلى أن “القيادة العليا تنتظر تعليمات طهران، بينما نحن نحترق هنا”.
ويرى مراقبون أن غياب أي مشروع سياسي واضح لحزب الله داخل لبنان، يعكس حالة التيه التي يعيشها، إذ لم يعد الحزب يملك إلا لغة التهديد والوعيد والتخوين، في وقت يزداد فيه اللبنانيون فقرًا وقلقًا.
إقرأ أيضا: السلاح بيد الدولة أو لا دولة.. الحكومة على مفترق سيادي خطير
إن اختزال الجنوب في حزب الله، وربطه بمشروع إقليمي يتهاوى، هو ظلم مزدوج. وظلم أكبر أن يدفع أبناء هذه المناطق، كما سائر اللبنانيين، ثمن معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
اليوم بدأ يرتفع الصوت من الداخل، من عمق البيئة التي استخدمها الحزب حصنًا، ليرفع شعارًا واحدًا: لسنا أدوات، ولا رهائن لأحد، بل مواطنون نبحث عن وطن.

