في مشهد يُعيد إلى الأذهان مفاصل الانقسام اللبناني الحاد، تعقد حكومة لبنان جلسة مفصلية بعد ظهر اليوم الثلاثاء في قصر بعبدا، وسط ترقب شعبي واسع وتناقض في الأنباء بين تثبيت الموعد وتلميحات قناة “المنار” إلى احتمال التأجيل، وذلك في ظل استحقاق سياسي-أمني خطير يتمثل بطرح بند “حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية” على جدول أعمالها، للمرة الأولى بشكل مباشر منذ ما بعد حرب تموز 2006. الجلسة، التي تأتي تحت ضغط أميركي متصاعد وتوازنات داخلية دقيقة، تشكّل اختبارًا للطبقة السياسية اللبنانية في كيفية إدارة النزاع المزمن حول سلاح “حزب الله” ضمن أطر المؤسسات الدستورية، لا في الشارع أو عبر رسائل القوة.
هواجس من الشارع الشيعي… وصوت العقل؟
من جهة أخرى، شهدت الضاحية الجنوبية مسيرات داعمة لحزب الله عشية الجلسة، ورسائل مباشرة عبر فيديوهات إعلام الحزب تؤكد “التمسك بخيار المقاومة”. إلا أن اللافت، كان تصاعد الأصوات داخل البيئة الشيعية نفسها المحذّرة من مغبة “لعبة الشارع”، خاصة في ظل التوتر الإقليمي الواسع، والقلق من استغلال أطراف خارجية لأي خلل أمني.
المصادر المطلعة تؤكد أن نصائح دولية – بعضها مباشر من عواصم عربية وأوروبية – وصلت إلى قيادة الحزب تحذر من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في الشارع، خصوصًا مع اقتراب ذكرى عاشوراء والاحتقان الداخلي المتنامي. وتضيف هذه المصادر أن أي تصعيد الآن سيقابله رد فعل إقليمي ودولي قاسٍ، لا سيما مع تغيّر المزاج الدولي من مقاربة إدارة الأزمة اللبنانية إلى مرحلة الفرض التدريجي للحلول.
ورغم محاولات الثنائي الشيعي – حزب الله وحركة أمل – استبعاد بند السلاح أو على الأقل ترحيله إلى نهاية الجلسة، بدا واضحًا أن رياح الداخل والخارج تجري بما لا تشتهي سفن الثنائي. فالجواب الأميركي الذي وصل قبل أيام إلى بيروت كان صارمًا: على الحكومة اللبنانية وضع مهلة زمنية لسحب السلاح غير الشرعي وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. أما الضمانات الأميركية التي طالبت بها بيروت، فلم تُمنح، ما يعكس تصميماً دولياً على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى فرض جدول حلول، حتى لو كانت تدريجية.
في المقابل، حسم رئيس مجلس النواب نبيه بري موقفه الداعم لمشاركة الوزراء الشيعة في الجلسة، رافضًا أي مقاطعة أو تعطيل. بري، الذي برز في الآونة الأخيرة كمحور اتصالي بين عواصم القرار وأجنحة الداخل، بدا كمن يوازن بين التمسك بموقع “الثنائي” وبين تفادي تفجير حكومي قد يُترجم أمنيًا. وقد أكد من خلال مواقفه أن الاستقرار هو الأولوية، وأن التنسيق مستمر مع رئيس الجمهورية جوزاف عون رغم كل الإشاعات.
بين عون وسلام… التوقيت لا يُمهل
اللقاء الذي جمع الرئيسين نواف سلام وجوزاف عون أمس، عشيّة الجلسة، عُدّ في الأوساط السياسية لحظة تنسيقية حاسمة. فالرجلان، اللذان باتا يشكلان ما يشبه “رأس السلطة التنفيذية الجديد”، يعملان بتناغم ملحوظ رغم التباينات اللفظية، وذلك لمواجهة الموقف الأميركي الحازم واحتواء تداعيات الجلسة. وقد خلصا، بحسب مصادر مطلعة، إلى صيغة مقبولة تقر بمبدأ حصرية السلاح وتحدد نهاية 2025 كموعد أقصى للتنفيذ، مع التأكيد على تطبيق القرار على كل القوى الخارجة عن سلطة الدولة، وليس حصراً على سلاح حزب الله.
في موازاة ذلك، يتمسّك ما بات يُعرف بـ”الحلف الثلاثي” الجديد – أي القوات اللبنانية والكتائب والحزب الاشتراكي – بإقرار جدول زمني واضح وصريح لحصر السلاح، رافضين أي صيغة مبهمة. وزراء هذا الحلف هدّدوا بالتصويت على البند إذا لم يحصل توافق عليه، في سابقة قد تفتح الباب أمام تغيّر في تقاليد العمل الحكومي اللبناني، التي طالما ارتكزت على “التوافق لا التصويت”، خاصة في المسائل السيادية.
انفجار المرفأ..مشاركة وزراء
في خضم التوترات السياسية والأمنية، لم تغب الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت عن المشهد. للمرة الأولى، يشارك وزراء من “الثنائي الشيعي” في إحياء الذكرى، ما فُهم كرسالة تهدئة سياسية. فالشارع اللبناني لا يزال ينزف من ذاك الانفجار، الذي أصبح رمزًا لفشل الدولة وتراخي المؤسسات. والمفارقة أن جلسة اليوم، التي تبحث بندًا سياديًا بامتياز، تتزامن مع لحظة صمت أقامها اللبنانيون لضحايا المرفأ… كأن قدر هذا البلد أن يعيش على إيقاع انفجارات سياسية لا تهدأ.
هل يغلب الخيار وطني؟
بين مشهد الوزراء المجتمعين في بعبدا، وأصوات الشارع الغاضبة، يقف لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التقدّم بصيغة وطنية تحفظ الاستقرار وتعيد الدولة إلى دورها السيادي، أو الانزلاق إلى صدام مفتوح مع الذات ومع الخارج. وفي الحالين، سيكون لما يُقرّ في جلسة اليوم – شكلاً ومضمونًا – أثر بالغ على مستقبل المرحلة المقبلة، ليس فقط في لبنان، بل في المشهد الإقليمي برمّته.
اقرا ايضا: تفجير مرفأ بيروت: المنظومة مسؤولة..وترهيب القاضي بيطار عطّل التحقيقات

