جلسة استثنائية ومفصلية تعقدها الحكومة اليوم في قصر بعبدا، وأبرز بنود جدول الاعمال بند “حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية”، وهو مطلب قديم متجدد أثار انقسامات حادة على مدى سنوات طويلة، لكنه اليوم يتصدر المشهد السياسي، بعدما أدى السلاح غير الشرعي، ولا سيما سلاح حزب الله إلى جر لبنان لأزمات سياسية وأمنية متلاحقة انتهت بحرب مدمرة قضت على حزب الله نفسه، كما أوقعت لبنان بمزيد من الإنهيار المالي والإجتماعي والسياسي.
تحمل هذه الجلسة أبعادًا تتجاوز الشكل الدستوري إلى عمق التحدي السيادي والأمني في لبنان، في ظل سطوة السلاح غير الشرعي، ولا سيما سلاح “حزب الله” وفي ظل استئثار الحزب بقرار الحرب والسلم في السنوات السابقة وصولا إلى ما يسمى بـ”حرب الإسناد”.
وبحسب مصادر مطلعة، حاول ثنائي “حزب الله” و”حركة أمل” الالتفاف على مناقشة البند المتعلق بالسلاح عبر المطالبة بشطبه نهائيًا أو تأجيله إلى نهاية الجلسة، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل. وتمسّكت قوى وازنة داخل الحكومة، مثل وزراء “القوات اللبنانية”، بطرح البند على التصويت إذا تعذر الوصول إلى توافق بشأن الجدول الزمني لتطبيق القرار.
يأتي هذا التحرك في سياق الضغوط المتصاعدة لإعادة ضبط الساحة الداخلية اللبنانية، بالتوازي مع متغيرات إقليمية ودولية تضع سلاح “حزب الله” تحت المجهر، ليس فقط كقضية داخلية بل كمشكلة أمنية تمتد تداعياتها إلى الاستقرار الإقليمي.
الرد الأميركي: وضوح في المطلب
من جانب آخر، أجرى رئيس الحكومة نواف سلام زيارة إلى قصر بعبدا عشية الجلسة، حيث اجتمع بالرئيس جوزاف عون لبحث الرد الأميركي الرسمي الذي وصل إلى بيروت مؤخرًا. الرد تضمن مطالبة واضحة للحكومة اللبنانية بوضع مهلة زمنية لسحب السلاح غير الشرعي وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، إلا أن واشنطن لم ترفق هذا الطلب بضمانات أو محفزات واضحة للبنان.
إقرأ أيضا: بين المقاومة والإنهيار.. أزمة الشيعة في لبنان بعد «طوفان الأقصى»!
الاختلاف الجوهري بين الموقفين اللبناني والأميركي يتمثل في مسألة التدرّج؛ فبيروت تطالب بخطة زمنية تدريجية تأخذ بعين الاعتبار التعقيدات السياسية والمجتمعية، فيما يبدو أن واشنطن تتجه نحو نهج أكثر حزمًا، ما يفتح الباب أمام توترات محتملة بين الطرفين.
احتكاك داخلي و”تحريك الشارع”
وفي تطور لافت وخطير، تحرّكت جهات مجهولة تحت اسم “عشائر البقاع” مهددة بتحركات ميدانية موازية لجلسة الحكومة، في ما فُسّر على أنه رسالة من “حزب الله” باستخدام ورقة الشارع للضغط على المسار الحكومي. هذه التهديدات أثارت امتعاضًا حتى داخل البيئة الشيعية نفسها، التي بدأت تعبر عن قلقها من مغبة الانزلاق نحو سيناريوهات فوضوية.
كما انطلقت مسيرات مؤيدة لحزب الله بعض شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك عشية الجلسة الحكومية، ونشر الإعلام الحربي في “حزب الله”، اليوم الاثنين، مقطع فيديو بعنوان “خيارنا مقاومة”، أكد فيه التمسك بالسلاح، مشدداً على أن المقاومة هي الخيار الأساسي.
وظهرت دعوات إلى الإضراب الثلثاء بالتزامن مع جلسة الحكومة، فيما يخوض جمهور “حزب الله” مواجهة” على مواقع التواصل ضد المطالبين بتسليم السلاح، من دون أن يوفر حلفاء سابقين.
وقد وُزعت دعوات إلى الإضراب العام والتحرك في موازاة انعقاد جلسة مجلس الوزراء بعد ظهر اليوم، ولكن لم تعلن أي جهة حزبية تبنيها لتلك الدعوات، وجاءت من أكاديميين ورجال دين، ولم تحدد أي مكان للتجمع أو التحرك الميداني.
وبالسياق أشار عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي المقداد الى ان جلسة الحكومة غدا “ما كان لازم تصير”، وكل من يطالب بسحب السلاح من المقاومة في لبنان هو يتماهى مع المشروع الإسرائيلي – الأميركي.
إقرأ أيضا: كل الدروب تؤدي إلى الحرب: شهر آيلول مفتوح على التصعيد ولبنان في مهبّ الخيارات الصعبة
وشدد المقداد في حديث لـ “NBN”، على ان نزع السلاح “طويلة على رقبتن”، ومن الان الى صباح يوم الغد سيُتخذ القرار بناءً على الجواب الذي سيُرد لرئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله.
وتشير معلومات مؤكدة إلى أن وساطات محلية وخارجية ناشدت قيادة الحزب الكف عن هذا النهج، محذّرة من عواقب خطيرة على الأمن الداخلي، خاصة في ظل تشابك الأزمات الإقليمية واهتزاز المشهد اللبناني.
موقف الحكومة: قراران أساسيان
مصادر وزارية أكدت أن الرؤساء الثلاثة (عون وسلام وبري) توصلوا إلى توافق مبدئي على خطتين واضحتين: الأولى هي إقرار مبدأ حصر السلاح بيد الدولة وتطبيقه على جميع القوى غير الشرعية دون استثناء. أما الثانية، فهي تحديد مهلة زمنية نهائية لذلك التنفيذ تنتهي في 31 كانون الأول 2025، ما يفتح المجال لمواكبة التطبيق على مراحل، مع ضمان عدم التصعيد المباشر.
واليوم أشار رئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى أنه يؤيد مشاركة الوزراء الشيعة في الجلسة وعدم مقاطعتها، مؤكداً على حرصه على العمل لكل ما يخدم لبنان ولا يهدد أمنه”.
المشهد الإقليمي والدولي: ترقّب ومراقبة
تتابع العواصم العربية والدولية ما ستؤول إليه جلسة بعبدا بكثير من الاهتمام، باعتبار أن أي خطوة لبنانية جدية نحو ضبط السلاح ستنعكس مباشرة على ملفات تفاوضية عدة في المنطقة. بالمقابل، فإن الفشل في التقدم بهذا الاتجاه قد يفتح الأبواب أمام مزيد من العزلة والضغوط الدولية.
السؤال الكبير: هل تنجح السلطة في احتواء التوتر؟
بين ضغوط الداخل وتدخلات الخارج، تقف الحكومة اللبنانية أمام اختبار حقيقي. فهل تتمكن من فرض منطق الدولة والمؤسسات على منطق السلاح والتحدي؟ أم أن البلاد مقبلة على موجة جديدة من الانقسام وربما التصعيد؟
الجواب رهن بما سيُقرر اليوم في قصر بعبدا… والساعات المقبلة ستحدد معالم المرحلة الآتية.

